fbpx
a

Lorem ipsum dolor sit amet, conse ctetur adip elit, pellentesque turpis.

أهميَّة البُعد التذوُّقي في تدريس الأدب في مجال تعليم اللغات

ناهل عبد المنعم الدخيل

ماجستير في تعليم اللغة العربية للناطقين بلغات أُخرى - تركيا

إنَّ للتذوُّق الأدبي أهميَّة كبيرة في فَهم النَّص الأدبي، وفهم مضمونه وما يحتويه من مفردات وتراكيب ومعاني ومجازات واستعارات وتشبيهات وغير ذلك، إضافة إلى النَّواحي الجمالية.

وقد جاء في تعريف التَّذوق الأدبي: إنَّه النَّشاط الإيجابي الذي يقوم به المتلقِّي استجابة للتَّأثُّر بنواحي الجمال الفنِّي في نصٍّ ما بعد تركيز انتباهه إليه وتفاعُلِه معَهُ عقليًّا ووجدانيًّا على نَحوٍ يستطيع به الحكم عليه، ويَتَّخذُ هذا النَّشاط أشكالًا متنوِّعة من السلوك لدى المتعلِّم، وقد اتفق النُّقاد وعلماء النَّفس على بعض القضايا التي تُعتبَر من مزايا التَّذوق، والتي يُمكن من خلالها قياس القدرة التَّذوقيَّة لدى الطلَّاب.

ويبقى السُّؤال الأهم هو: متى نبدأ بتقديم التذوُّق الأدبي كعنصر من عناصر تدريس الأدب في مجال تعليم اللغات؟

إذا طرحنا هذا السؤال على شريحة معلِّمي اللغات؛ فبالتأكيد سيكون الجواب في المستويات المتقدِّمة.

ويُعتبر هذا الجواب طبيعيَّاً استناداً للقاعدة المتوارثة الآتية

: تدريس الأدب يكون حصرا في المستوى المتقدِّم وما بعده!

وإذا أردنا كسرَ هذا الجمود في القاعدة المتوارثة السابقة وأقحمنا التذوُّق الأدبي في المستويات المبتدئة والمتوسطة؛ فهل نستطيع ذلك؟

إنَّ الإجابة على هذا السؤال تتطلَّب العودة بنا إلى التعريف السابق للتذوُّق الأدبي؛ حيث إنَّه نشاط إيجابي يقوم به المتلقِّي استجابةً لتأثُّره بنواحي الجمال الفنِّي في النص بعد تركيز انتباهه وتفاعله معه عقليَّاً ووجدانيَّاً؛ فالتذوُّق يحتاج إلى التلقِّي ثمَّ التركيز والتفاعل ثم التأثُّر والاستجابة.

وهذه الشروط السابقة للتذوُّق الأدبي لا تختلف عن شروط تعلُّم اللغات؛ فمتعلِّم اللغة على مستوى الكلمة مثلاً؛ يحتاج إلى التلقِّي من المعلِّم ثم تركيز الطالب فيما تلقَّاه من معلِّمه لِيأتي التفاعل والذي بدوره سيولِّد التأثُّر الذي يقود إلى استجابة المتعلِّم لهذه الكلمة، فمثلاً كلمة (يشرب) يتلقَّاها الطالب من معلِّمه بعد التركيز، ثم يتفاعل مع معنى هذه الكلمة من خلال فهم معناها المادي، ثم التأثُّر بهذا المعنى من خلال الاستجابة في تطبيق فعل الشُّرب لدى الطالب، فتظهر هذه الاستجابة من خلال قول الطالب وتطبيقه للجمل التالية: أنا أشرب الماء، أنا أشرب الشاي، أنا أشرب القهوة.

فإذا استطعنا تطبيق الشروط السابقة في تعليم اللغات؛ فحكماً نستطيع تطبيقها على مستوى التذوُّق الأدبي بشكل تدريجي من المستوى المبتدئ مروراً بالمتوسط فالمتقدِّم، فالتذوُّق الأدبي نستطيع تطبيقه على مستوى الكلمة والجملة والفقرة والنص، فلماذا لا نبدأ بتطبيقه على مستوى الكلمة في المستوى المبتدئ وعلى مستوى الجملة والفقرة في المستوى المتوسِّط؟

ولي تجربة متواضعة في تعليم اللغة العربية عن طريق الشعر العربي قُمت بها أثناء الإعداد لرسالتي في الماجستير، حيث قدَّمت قصيدة “زهرة المدائن” للمستوى المبتدئ الأعلى – مستوى الكفاءة A2+” حسب مستويات الإطار المرجعي الأوروبي، وقد اخترت الأبيات التي تُناسب هذا المستوى، وتصرَّفت بثلاث كلمات من حيث تبسيطها لتكون مناسبة أيضاً.

وبعد تقديم القصيدة وتطبيق المهارات اللغوية الأربع، طرحت السؤال التذوُّقي التالي على الطلاب: أيُّ بيتٍ أعجبك في القصيدة؟ ولماذا؟

فجاءت الإجابات متنوِّعة وجميلة جدَّاً، فهي تدلُّ على فهم الطالب وتذوقه السليم للقصيدة، وسأعرض على القارئ الكريم أجمل الإجابات، وهي كالتالي:

ملاحظة: سأنقل لكم حرفيَّاً ما كتبه الطالب في إجابته  

 

البيت الذي أعجبني(لماذا؟) السَّبب
1. سأدقُّ على الأبواب وسأفتحها الأبوابلأنَّ إصرار / (أي بسبب الإصرار)
2. عيونُنا إليك تذهب كلَّ يومبسبب شائق / (أي بسبب الشَّوق)
3. لأجلك يا أجمل المساكنبسبب الفخر
4. البيت لنا والقدس لنابسبب القدس مثل بيتنا

من خلال أجوبة الطلاب على السؤال التذوُّقي؛ ألا نستطيع تطبيق الشروط السابقة للتذوق الأدبي على ما تعلِّمه الطلاب في هذه القصيدة؟

حيث بدأ الطلاب بتلقِّي للقصيدة والتركيز في كلماتها ومعانيها، ثم التفاعل معها عقليَّاً ووجدانيَّاً متأثرين بمعانيها السامية والتي ولَّدت هذا الاستجابات المتنوعة والجميلة والنابعة من فَهم وتذوُّق الطلاب لتلك الكلمات ومعانيها.

وطرحنا عليهم سؤالاً آخراً يتعلَّق بالتذوُّق الأدبي، وهو على شِقَّين:

الأوَّل: ماذا ترى في الصورة؟

الثاني: أين أجدُ معنى هذه الصورة في القصيدة؟

فجاءت إجابات الطلاب موَّحدة نتيجة لتذوقهم معنى هذه الصورة ثمَّ جاءت الاستجابة بربط معنى الصورة بالمعنى الموجود في القصيدة، وهو قول الشاعر: “يا دَرب من مرُّوا إلى السماء” وقول الشاعر: “سأدقُّ على الأبواب، وسأفتحها الأبواب”

وفي المستوى المتوسِّط الأدنى “مستوى الكفاءة B1+” قدَّمت للطلاب قصيدة عن رثاء السلطان عبد الحميد الثاني، للشاعر حذيفة العرجي، حيث اخترت منها عشرة أبياتٍ، وبعد تقديم القصيدة للطلاب طرحنا السؤال التالي:

أيُّ بيتٍ أعجبك في القصيدة، ولماذا؟

فكانت إجابات الطلاب كالتالي:

  • أعجبني البيت الرابع؛ لأنَّه يُشبه شعرُ الشاعر نجيب فاضل. (وكتبوا بيت الشعر بلغتهم أيضاً)
  • أعجبني البيت الثامن؛ لأنَّ الملوك خانوا الله والكتب السماوية والشعب.

وسأضع البيتين الرابع والثامن فقط كونهما كانا محور تذوُّق الطلاب.

البيت الرابع:

يا سيِّدي، يا أميرَ المؤمنين، نعم   ***   هَذي البلاد لنا، لكنَّنا غُرَبَا

البيت الثامن:

كلُّ الذين أتوا من بَعدك انتصروا   ***   على الشعوب! وخانوا الله والكتُبا

نستنتج من خلال ما سبق بأنَّنا نستطيع تقديم التذوُّق الأدبي في المستويات المبتدئة؛ ولكن ضمن حدود وإمكانيات متعلِّم اللغة وفهمه وإدراكه واستجابته لما نُقدِّمه له.

 مهارات التذوُّق الأدبي

  • إدراك مدَى أهميَّة الكلمة في العمل الأدبي.
  • إدراك الوحدة العضويَّة في العمل الأدبي، وإدراك ما بين أفكاره من تَرَابط، واختيار العنوان المُعَبِّر عن فكرة الأديب وأحاسيسه.
  • تَمَثُّل القارئ للحركة النَّفسية في القصيدة أو النص الأدبي.
  • فَهْمُ مُكوِّنات الصُّورة في النص، ومَدَى قُدرتها على التَّعبير عن أحاسيس الشاعر أو الأديب.
  • الحِسُّ بالإيقاع الموسيقي.
  • ترتيب أبيات القصيدة تِبعًا لجماليتِهَا وجودَتِهَا، واختيار أصدَق الأبيات تعبيرًا عن إحسَاس الشاعر، وأقرَبها إلى الواقعيَّة.
  • عَقدُ موازَنة بين قصيدتين أو نصِّين أو أكثَر لِلشاعر نفسه، أو بين شاعريين أو أديبين في موضوع واحد، للكَشف عن المَزَايَا والعُيُوب في القصيدة.

طُرُق تنميَة التَّذوق الأدبي

  • تَعدُّد قراءة النًّص: وذلك أنْ يُدرِّبَ المعلِّم طلَّابه على قراءة النص أكثر من مرَّة، وأنْ يستعرِضُوه استِعرَاضًا شاملًا وبعناية، فالإدراك الجمالي لأجزاء العمل الأدبي لا يتِمُّ عادةً بعد القراءة الأولى.
  • التمهيد للنَّص: وتكون بعناية المدرِّس بالتمهيد للنص المقدَّم للطلاب من خلال إلقاء الضوء على جوِّه وبواعثه حتى يكون استقباله في شغف وبانتباه واهتمام.
  • مشاركة الطلاب: ألَّا ينفرد المعلِّم بتناول النص بالتعليق والنقد دون إشراك الطلاب في ذلك، فالمعلِّم يجب أنْ يكون موجِّها ومرشدا لمواطن الجمال تاركاً لهم بعد ذلك الحرية الكاملة في التعبير عمَّا يشعرون به من خلال توجيه وتهذيب تلك الآراء.

وكما ذكر الدكتور رشدي طعيمة؛ إنَّ المدرِّس الناجح هو الذي يسمح لمختلف الآراء مهما كانت فجَّة أنْ تظهر، متمهلاً عليها وموجِّهاً لها حتى تستوي بعد ذلك آراءً ناضجة وأحكاماً تصلح للنقد، وتدلُّ على سلامة التذوُّق.

  • عَقدِ الموازنات: أنْ يَعْقِد المعلِّم الموَازَنَات بين الشاعر وغيرِه، في نفس الموضوع، لأنَّ اكتشاف موَاطن الجَمَال لا تَحدُث ما لَم يَتَدَرَّب القارئ على عَقْد الموازنات.
  • مشَاركة الطلاب: ألَّا يَنفَرِدَ المعلِّم بِتنَاول النَّص بالتَّعليق والنَّقد، وإنَّما يُشرِك الطلَّاب في كلِّ شيء، وأنْ يكون مجرَّد موجِّه ومُرشد لِمواطِن الجمَال، تَاركًا للطلاب الحريَّة الكَامِلَة في التَّعبير عمَّا يَشعُرون به، مُتناوِلًا بعد ذلك آرائَهم بالنَّقد، والمدرِّس النَّاجح هو الذي يسمَح لمُختَلف الآراء مهمَا كانت فَجَّةً ومُشوَّشة أنْ تَظهَر، مُتَمَهلاً عليها، ومثابرًا في توجيهِها، حتَّى تَستَوي بعد ذلك آراء ناضِجَة وأحكامًا تَصلُح للنَّقد، وتدلُّ على سلامَة التَّذوُّق، ومن ذلك مثلاً: تَوجيه أسئلة تَفتَح مَغَاليق أفكاره، وتُهيِّئ للطلاب قراءة النص قراءة صامتة، حتى يَلمسُوا بأنفسهم أفكاره، ومشاعر قائلِه، وتذوُّق الجَمَال به.
  • تَشجيع الطلاب على الاتصال بالأدب: ينبغي ألَّا يُخيفَ المعلِّم طلابه خاصَّة في المستوى المتوسِّط من الاتصال بكتب الأدب، أو قراءة نصوص معيَّنة إحسَاسًا منه بعجزِهم في تَحصيل المعرفة والاستمتاع بالأدب، فهناك شَعرَة دقيقة تَفصُل بين أمرَين هما: بين أنْ يُراعي المعلِّم مستوى الدارسين اللغوي في اختيار النصوص أو في شرحِها، وبين أنْ يُطارِدَه الخوف من أنْ يَتَورَّط الدارسون مع نصٍّ يستقلِّون فيه بقراءتِه.

 إنَّ تخويف الدارسين باستمرار من صعوبة المادَّة من شَأنه أنْ يَخلُق في نفوسهم إحساسًا بالعجز، يُثنِي عزيمَتَهم عن القراءة الحرَّة، وقد يكون من بينهم من يستطيع ذلك، فعلى المعلِّم أنْ يُدرِّبهم على الاتصال بالنصوص الأدبية خارج المقرَّر، ويُنَمِّي لديهم روح المثابرة، وأنْ يُكسبَهم مهارات القراءة الواعيَة، لأنَّ العوامل النفسيَّة ذات أثَر كبير في تَذَوُّق الأدب، ولقَد ثَبُتَ أنَّ فَاقِدي الثِّقَة في أنفُسِهم كثيرًا ما يَعجَزُون عن القراءة الجيِّدة لافتِقَادِهم الثِّقة فيمَا يَفهَمونَه، والمعلِّم بلا شَكٍّ ذو أثرٍ كبير في تَنميَة الثِّقة في نفوس طلَّابه.

__________________________________

المراجع

  1. طعيمة، رشدي أحمد، المرجع في تعليم اللغة العربية للناطقين بلغات أخرى، I، القسم الثاني، جامعة أم القرى.

Post a Comment

ادخل بريدك الالكتروني للإشتراك في هذا الموقع لتستقبل أحدث المواضيع من خلال البريد الالكتروني

تسجيل عضوية جديدة

Reset Password