fbpx
a

Lorem ipsum dolor sit amet, conse ctetur adip elit, pellentesque turpis.

أهميَّة البُعد اللغوي في تدريس الأدب في مجال تعليم اللغات (3)

ناهل عبد المنعم الدخيل

ماجستير في تعليم اللغة العربية للناطقين بلغات أُخرى - تركيا

إنَّ جودة اللغة تكون في وضوحها؛فاللغة عندما تكون واضحة؛ تكون مفهومة عند المتلقِّي أو السامع، لأنَّ الوضوح في اللغة يكون باستعمال الكلمات الشائعة.

ويتكلَّم “أرسطو “Aristo عن مصطلح مهم وهو اللغة المُلغَّزة؛ والتي تعني أنَّ لغة النَّص تكون بلاغيَّة ولا يوجد فيها ركاكة، عندما تُستخدم فيها الكلمات غير الشائعة.

ونجد تأكيداً لهذا الكلام عند “الجاحظ” في استحسانه للفظ وتَخيُّره للمعنى، أي اللفظ الحَسن والواضح البعيد عن الغَرَابة والرَّكاكة، واختياره للمعنى الواضح والمفهوم وليس المعقَّد الغامض.

وقد تكلَّم “ابن خلدون” عن اللغة الشعرية من منظوره، وهي التي تحتوي على عناصر اللغة العادية، مثل (الأصوات، النحو، الصرف ….. إلى آخره) إلى جانب عناصر وقوالب خاصة بها، ولهذا ركَّز “الجرجاني” على الفَرق بين اللغة المعيارية التي تَمنح المعنى واللغة الشعرية التي تَمنح معنى المعنى، وتُشكِّل اللغة المعيارية خلفيَّة اللغة الشعرية، حيث ينبغي في هذه الأخيرة ملاحظة الأصل، إذ بدون ذلك كيف لنا أنْ نُدرك الانحراف في الاستعمال الخاص للغة، وكذلك من خلال عنصري المجاز والاستعارة وما لهما من دور كبير في تحقيق الشعرية، خاصَّة الاستعارة.

وقد بيَّن “رومان جاكبسون Roman Jacobson” وظائف اللغة، وهي: الوظيفة الانفعالية، الاقناعيَّة، العاطفيَّة، اللغوية الشارحة، المرجعيَّة، الشعريَّة.  

ورأى “إدوارد لي ثورندايك Edward lee Thorndike” أنَّ وظيفة اللغة لا تقتصر على التعبير عن أفكار المرء ووجدانه، وإنَّما تُستعمل أيضا لإثارة أفكار ووجدان السامع والقارئ، أي ما تُحدِثُه من أثر لدى السامع أو القارئ.

وقد قال بعض الفلاسفة: (إنَّ للنفس كلمات روحانية من جنس ذاتها)، وهذا يعني أنَّ هناك كلمات تُلامس الروح وتؤثِّر فيها، فهي من جنسها وتكوينها، ولهذا قالوا بأنَّ الكلام الذي يخرج من القلب يقع في القلب، والذي يخرج من اللسان لم يُجاوز الآذان، فالكلام كالجسد وروحه المعنى.

كان الأدب يُعدُّ المصدر الأساسي في تعليم اللغات، والهدف الرَّئيس من تَعلُّمها في منهج النحو والترجمة حتى عام 1914 للميلاد، فكان يُقصد بدراسة اللغة في ذلك الزمن دراسة الأدب لذاته، فكان المعلِّمون يُقدِّمون للدَّارسين نصوصاً أدبيَّة لترجمتها من اللغة المُراد تعلُّمها إلى لغتهم القومية، حيث كان الغَرض من تعلُّم اللغات الأجنبيَّة قراءة الأدب المكتوب والاستفادة منها في التدريب العقلي وتَنمية المَلَكَات الذهنيَّة.

ويرى بعض اللسانيِّن والنقَّاد أنَّ الأدب يُمثِّل إحدى حالات تعويض السِّياق اللغوي الذي يَفتقده تعليم اللغات الأجنبية في غير بلادها؛ ذلك أنَّ الأدب يخلق واقعاً وسياقاً لغويَّاً غير متوافر في بلد غير ناطق باللغة، وهذا السياق إنَّما يُمثِّل العالم الأجنبي؛ عالم اللغة والثقافة التي أنتجت هذا الأدب.

يُعتبرُ المدخل التكاملي أسلوبًا لتنظيم عناصر الخبرة اللغوية المقدَّمة للطلاب، وتدريسها بما يُحقِّق ترابطها وتوحُّدها بصورة تُمكِّنهُم من إدراك العلاقات بينها، وتوظيفها في أدائهم الُّلغوي، وذلك من خلال محتوى لُغوي متكامل العناصر، ترتبط فيه توجيهات الممارسة والتدريبات اللغويَّة والقواعد اللغوية بمهارات اللغة، ونوع الأداء المطلوب من خلال نصٍّ شعريٍّ أو نثريٍّ أو موقف تعبيريٍّ شفهي أو تحريري، وتدريسها بطريقة تعتمد إجراءاتها على التكامل والممارسة والتدريب وتقويم الطلاب أولاً بأوَّل، بهدف تحقيق التكامل بين جوانب الخبرة اللغوية المتمثِّلة في الجانب المعرفي فيما يُقدِّمُه ضمن المحتوى اللغوي، والتوجيهات لممارسة اللغة اِستماعاً أو تحدُّثاً أو قراءةً أو كتابةً، وفي الجانب الوجداني فيما يُمكن أنْ يكتسِبَه الطالب من اتجاهات وقيم، نتيجة دراسته الموضوعات المتكاملة في المنهج، وبذلك سيتحقَّق التكامل داخل المتعلِّم، ممَّا ينعكس ذلك على ممارسته للغة وأدائِه لها.

وبالنظرِ إلى طبيعة اللغة نَرى أنَّها تتكوَّن من أنظمة لغويَّة هي النظام الصوتي والنظام الصرفي والنظام النحوي للغة، فحين يُطلق على الأفكار المركَّبة نظاماً، هذا يعني أنَّ هناك علاقة عضويَّة تَربط بينهم بحيث تُؤدِّي كلَّ واحدة منها في البناء الُّلغوي وظيفة تختلف عمَّا تُؤدِّيه الأخرى، فهذا النظام له تكاملٌ عضويٌّ، واكتمالٌ وظيفيٌّ يجعلُه جامعاً مانعاً.

وكذلك الأمر فإنَّ منهج تعليم اللغة التكاملي يرتكز في تخطيط النصوص الدراسيَّة والمحادثات واختيارها على أساس الأصالة التي تتوفَّر في النصوص الأدبية، فَلَقِيَ الأدب فيه اهتمامًا واضحًا، والواقع أنَّ المنهج يُؤكِّد اختيار نصوص واقعيَّة ومعتبرة لِتدريسها في الصَّف، رافضًا الكتب التِّجاريَّة التي وُضعَت لِغَرَض تعليم اللغة فحسْب، وتُعدُّ النصوص الأدبيَّة نماذجا من العالم الواقعي، وليست لِغرض التدريس، إنَّما هي نتيجة لِرغبة الأديب في إيجاد العلاقة مع القرَّاء والتَّعامل معهم، ونتيجة لما سَبَق فقد وظَّف منهج تعليم اللغة التكاملي الأدب كأداة لِتعليم اللغة على عكس منهج النحو والترجمة الذي يُوظِّف اللغة وسيلة لِفهم الأدب.

وما دام الحديث عن المدخل التكاملي قد عرَّج بنا إلى الحديث عن أصالة النَّص، فمن الأنسَب أن نقف لِبُرهة من الزمن للحديث عنه.

إنَّ من المزايا المهمة في تعليم اللغات عن طريق الأدب أنَّها تعتمد على نصٍّ أصيلٍ وطبيعي، وليس على نصٍّ مصنوع فيه من التكلُّف ما فيه.

ولقد جاء في تعريف النص الأصلي؛ هو قطعة أدبيَّة شعريَّة أو نثريَّة مقتطعة من التراث القديم أو الحديث، وينبغي أنْ تحتوي على التراكيب اللغوية والصِّيغ النحويَّة والأساليب البلاغيَّة الَّلازم تقديمها للمتعلِّم.

أمَّا النص المصنوع؛ فهو أيُّ نصٍّ تمَّت معالجته وفق أُسس لغوية وتربويَّة ونفسيَّة لِيُلبِّي حاجة الدارسين.

لقد أصبح تعليم اللغة على أساس تَفتِيتِ المادة التعليمية إلى فروع، كفرع النحو والصرف والقراءة والكتابة…إلى آخره، وتمييز هذا الفرع عن ذاك، تعليماً غيرَ نافِعٍ وغيرَ مُجدٍ فيما لو توحَّدت الفروع وتكاملت فيما بينها كي تُقدَّمَ متكاملةً للطالب مع بعضها البعض وعدم تمييز فرعٍ على آخر، فلم تَعُد السلامة في القواعد النحويَّة خاصَّة في درس القواعد فقط، ولم تَعُد سلامة الكتابة والهجاء خاصَّة في درس الإملاء، ولا القراءة الصحيحة خاصَّة في درس القراءة… إلى آخره، بل أصبحت فروع اللغة تُكمِّل بعضها بعضاً لِتُشكِّل منظومةً لُغويَّةً تَصِلُ للمتعلِّم بشكل صحيح وسليمٍ تُمكِّنه من أداء اللغة على أكمَل وجهٍ، وهذا ما نجده في تدريس الأدب من خلال تناول نصٍّ أدبي وتشريحه من بابه إلى محرابه على المستوى اللغوي والثقافي وعلى مستوى المهارات اللغوية كاملة. 

من المعروف أنَّ وظيفة اللغة هي الاتصال، ونجد من وظائف اللغة، “الوظيفة التفاعليَّة للغة Interactional Function” والتي تُؤدِّي وظيفة تأكيد التواصل الاجتماعي بين أفراد المجتمع، ويتطلَّب الاتصال التفاعلي معرفةً بالكلمات الدارجة، واللهجات المهنيَّة والخاصَّة، والمعاير الثقافيَّة، وأساليب التَّعامل المهذَّب، والرَّسمي، وغيرها من أساليب التَّواصل.

ومن وظائف اللغة أيضاً نجد “الوظيفة الإبداعيَّة للغة Imaginative Function” والتي تُؤدِّي إلى إيجاد أفكار إبداعيَّة، مثل تأليف القصص وكتابة الرِّواية، وهي استعمالات إبداعيَّة للِّغة، فاستعمال اللغة لمجرَّد المتعة في استعمالها كما في الشِّعر، والتلاعب بالألفاظ، كلُّها أمثلة للوظائف الإبداعيَّة، ونستطيع من خلال الأبعاد الإبداعيَّة للغة أنْ نَتَعَدَّى العَالَم الواقعي لِنَصِل إلى مستويات عالية من جمال اللغة ذاتها.

وهنالِك مَيِّزة للمذهب الاتصالي وهي اِستعماله لمادة واقعيَّة، إذْ أنَّه من المستَحسَن إعطاء الطلبة الفرصة لتنمية استراتيجيَّة فَهْمِ اللغة، كما هي مستعملة عند متحدِّثيها.

ويذكُر الدكتور أحمد عبده عوض في دراسة مقدَّمة من مصطفى ناصيف عام 1995م حول رؤيته عن اللغة والتفسير والتواصل، فقد أكَّد أنَّ كلَّ عناية باللُّغة بمعزل عن التفسير والتواصل ينبغي أن تكونَ مَوضِعَ شَكٍّ، وأخذَ المؤلِّف في الدِّفاع عن هذه الفكرة بما أسماه “نَحوَ تَواصُلٍ أفضل”، فقد حَرِصَ على تقديم الجانب التعليمي في التواصل مُقرِّرَاً أنَّ أسلوب التَّعليم المُنتَشِر دَأَبَ على أنْ يجعل الطلاب أدوات تُرَدِّدُ ما تَسمَع، ثُمَّ إنَّنَا جميعاً نَتَعَرَّض بين وقتٍ وآخر لِنوعٍ من الجُمُود، بحيثُ لا نَشُكُّ كثيراً فيما نُرَدِّدَهُ، ويرى أنَّ المَخرَجَ من هذا يكون بتعليم اللغة، خاصَّة الأدب من خلال تدريب الطلاب على اِكتسَاب محصول لُغَوي كلامي يُساعدُهم على التواصُل الُّلغوي الجيِّد والمتماسك مع الآخرين.  

ومن ناحية الأدب وفروعه نجد أنَّ الأدب لم يَظهر لِأغراض تعليميَّة، وإنَّما ظَهَر في سياقات الحياة الحقيقية، لِذلك يتعرَّض دارسوه لواقع الحياة للغة المستهدفة في إطار حجرَات الدَّرس، وإذا تمكَّن الدَّارسون أثناء قراءة النصوص الأدبيَّة من التَّعامل مع ناطقي اللغة الأصليين في حياتهم الواقعيَّة نجحوا في التعامل مع اللغة المدروسة، فإنَّهم يألَفُون العَديد من أشكال اللغة ووظائفها التَّواصليَّة.

إنَّ مفهوم تدريس اللغة وظيفيَّاً من المفاهيم التي نبَّه عليها الأقدمون، مثل الجاحظ وابن خلدون باختيار المادة اللغوية التي يَحتاج إليها المتعلِّم، وتُؤدِّي وظيفة تعبيريَّة في حياته.

واللغة كما هو معروف لها أربع وظائف أساسية تُلخِّص الأهداف العمليَّة التي من أجلها يتعلَّم الإنسان اللغة عادةً، وهذه الوظائف هي “التفكير. التعبير. الاتصال. حفظ التراث”.

وقد اتجَه تعليم اللغة نحو الوظيفية والنفعية والاجتماعية، إذ لا فائدة من تعلُّم أي مادة إذا لم يكن لها نفع اجتماعيٌّ وفائدة للناشئ في تفاعله مع المجتمع الذي يحيا فيه، وما دامت اللغة وسيلة اتصال بين الأفراد والجماعات، فإنَّ لها وظيفة تُؤدِّيها في تسهيل عمليات الاتصال، ونقل الفكر، والتعبير عن النفس، وانعكس هذا الوعي لوظيفة اللغة على مناهج تعليمها في المدرسة، فلا بُدَّ أنْ يتَّجِه المنهج الُّلغوي في تقديم المفردات مثلاً إلى المفردات المهمِّة في حياة المتعلِّم، وإلى المفردات الأكثر شيوعاً في الحياة اليومية، ولا بُدَّ أنْ يأخذ تعليمُ التعبير سواء أكان شفويَّاً أم كتابيَّاً طابعاً وظيفيَّاً، يرتبط أساساً بمواقف الحياة اللغوية، حيث يتدرَّب الطالب على الحديث في مواقف مشابهة تماماً لما يتعرَّض له خارج الحياة المدرسيَّة.

وتَتَحقَّقُ الوظيفة الُّلغوية من خلال ربط دروس اللغة العربية جميعُها بالحياة، ومن الموضوعات الصالحة لذلك – مأخوذة من برامج التعليم في بعض البلاد الأوربيَّة – مثل: المحادثات والتمارين المسرحيَّة ودراسة النصوص المختلفة والتعبير عن المشاعر والأحاسيس والنَّقد وكيفيَّة استعمال المعاجم وإنشاءات في الوصف والقصَّة والقصيدة وكتابة الرسائل.

______________________________

المصادر والمراجع

 

  • أرسطو “Aristo”، فنُّ الشعر، ترجمة إبراهيم حمادة، مكتبة الأنجلو المصرية، بلا دار طبع وتاريخ طباعة.
  • الجاحظ، أبو عثمان عمرو بن بحر، (1965)، الحيوان، تحقيق عبد السلام هارون، مطبعة مصطفى الحلبي، الطبعة الثانية، بلا مدينة.
  • ياسين، طهراوي، (2009)، أثر اللغة الشعرية في نفسيَّة المتلقِّي – مقاربة لسانيَّة نفسيَّة، (رسالة ماجستير، جامعة أبي بكر بلقايد)، تلمسان.
  • ابن طَبَاطِبَا، محمد أحمد العلوي، (2005)، عيار الشعر، تحقيق عباس عبد الساتر، الطبعة الثانية، بيروت.
  • جلائي مريم، وكنجي نركس، (2015)، بحث “توظيف الأدب في تعليم اللغات الأجنبية من منظور اللسانيات التطبيقية، الأدب العربي المعاصر للناطقين بغير العربية نموذجًا، “مجلَّة بحوث في اللغة العربية وآدابه”، نصف سنوية علمية محكَّمة لكلية اللغات بجامعة إصفهان، العدد 11(خريف وشتاء 1436 ه. ق / 1393 ه. ش).
  • العُتيبي، بدر بن ندَا، (2015)، مقالة بعنوان: “توظيف النَّص الشعري في تطوير العناصر والمهارات اللغوية للناطقين بغير العربية- الشعر الحديث نموذجًا”، مجلَّة كليَّة الآداب واللغات، جدة.
  • عوض، أحمد عبده، (2000)، مداخل تعليم اللغة العربية، الطبعة الأولى، مكَّة المكرَّمة.
  • عثمان، عبد المنعم حسن الملك، (2015)، “الأسس العلمية لبناء نصوص اللغة العربية للناطقين بغيرها”، مجلة الجامعة للعلوم العربية والإسلامية، القصيم.
  • براون، دُوجلاس “Douglas Brown”، (1994)، مبادئ تعلُّم وتعليم اللغات، مطابع جامعة أم القرى، الرياض.
  • فريمان، دايان لارسن “Diane Larsen Freeman”، (1997)، أساليب ومبادئ في تدريس اللغات، الرياض.
  • عبده، داوُد، (1979)، نحو تعليم اللغة العربية وظيفيَّاً، الطبعة الأولى، الكويت.

_________________________________

 

 

 

 

 

 

 

 

 

Post a Comment

ادخل بريدك الالكتروني للإشتراك في هذا الموقع لتستقبل أحدث المواضيع من خلال البريد الالكتروني

تسجيل عضوية جديدة

Reset Password