fbpx
a

Lorem ipsum dolor sit amet, conse ctetur adip elit, pellentesque turpis.

أيها المتعلِّمُ هل تخشى أخطاءك؟أم تتعلم منها؟

د. السيد أبو الوفا

أستاذ اللغة العربية المساعد بجامعة العلوم الإنسانية

مدخل:

سأسيرُ هنا عامدًا على خلاف اتجاه بوصلة صنافة مشكلات تعلُّم العربية وتعليمها تلك التي غالبًا ما يتوجه مؤشِّرها صوب تحديد صعوبات العربية وفروعها المختلفة غالبًا- عبر اتهام طرائق تدريسها، أو صعوبة مناهجها، أو محاكمة آليات بناء محتوياتها وتخطيط أنشطتها، أو عدم إخفاء الارتياب في إمكانات معلميها وتأهيلهم وتكوينهم الأكاديمي والعلمي والتربوي والثقافي، أو الشك في قدرات وإمكانات شخصياتهم وأساليبهم التدريسية والتربوية…. إلخ، أو تبئير مشاكل وقصور بيئات تعلمها بشكل عام، أو عبر ذلك كله أو جله أو بعضه على أقل تقدير.

 نعم، أعلم أن هذا كله جائز وممكن، وقد سبرت غوره الكثير من الدراسات والأبحاث، والمؤتمرات في غير زمن! بيد أنيِّ أريد أن أوجِّه مؤشر بوصلة هذه الصنافة -هذه المرة -عامدًا إلى النظر بعين التمحيص والاختبار في إمكانات المتعلمين أنفسهم، وعدم إغفالها، ومحاكمة قدراتهم ورؤاهم الذاتية تُجاه عملية تعلُّمهم واكتسابهم اللغة، فأسائل المتعلم ذاته جملة من المساءلات المهمة -في عدة محاور – تلك التي قد تكون كاشفة بيقين عن سبب تأخره العلمي، أو فشله الدراسي، أو إخفاقه في أحد جوانب تعلم اللغة واكتسابها.

وهنا تحديدًا، أرادت المقالة الماثلة أن تُبحر وراء سؤال واحد من تلك الأسئلة، فقط، توجِّهه للمتعلم على هذا النحو الذي ورد في العُنوان، لنرى كيف ينظر المتعلمون إلى أخطائهم التعلُّمية، وكيف يُفيد ويستخدم النابهون منهم “استراتيجية التعلم من الخطأ البيداغوجي” في تحقيق التعلم ذاته، وكيف يُخفق الآخرون أو ينجحون في توظيف ذلك، وما أثر ذلك الإيجابي والسلبي على عملية التعلُّم واكتساب اللغة. على أن يكون طريقنا في ذلك هو سبر بعض استراتيجيات ثلة من هؤلاء الطلاب النابهين على اختلاف أنماطهم؛ لنقف بعد ذلك على تحليل سلوكاتهم وطرقهم في التعامل مع أخطائهم بوصفها في حدِّ ذاتها نوعًا من التعلُّم أو معبرًا مؤدِّيًا إليه؛ علَّها تكون نموذجًا يُحتذى، أو يُستفاد منه.

(1)

قال أحد متعلمي العربية في جامعة بشكيك الحكومية” مما لا أنساه من توجيهات معلمي، وكان معلِّمًا محلِّيًّا نابهًا، ألا أخاف من الخطأ حين التحدث أمام العرب أو من يتحدثون العربية، ونصحني بألا ألقي بالًا برد فعل المستمعين إليَّ إذا ضحك أحدهم أو سخر من خطئي، قائلا: إذا تعلمت لغة لا تقف حتى تواصل ممارستها، جيدًا ولا تهتم بقدح أو ذم أتاك لخطأ ارتكبته نطقا أو كتابة، في الفصل الدراسي وخارجه، وبعد قليل ستكتشف أنك قادر على المبادأة والمشاركة والتحدث بلا أخطاء فادحة. يا بُنيّ: ما دمت تخطئ إذًا أنت تتعلم، إذن أنت في الطريق الصحيح!!، وبالفعل في بدايات تعلمي العربية ارتكبت بعض الأخطاء وضحك أصدقائي على ذلك. لكني كنت دائما أضع نصائح معلمي أمام عيني وتخطيت بسهولة هذه المرحلة، واكتسبت المبادأة والثقة والكفاءة اللغوية التي كانت تتنامى معي يومًا بعد يوم، حتى صرت على أنا ما عليه الآن من تفوق، والحمد لله”.

(2)

وقال متعلم آخر:” إن لي نفسًا قوية، وشخصية مستقلة، وحقًّا لم أكن أهتم إذا ضحك الناس من حولي على أخطائي في التعبير، ولماذا أخجل أو أُحرج، إنها ليست لُغتي الاصلية، إنها لي لغة ثانية، وسأجيدها يومًا ما وسأصل للدرجة التي سيُعجب بها من حولي من براعتي في التواصل والتعامل بها. … أعتقد أنني تعلمت من الأخطاء، ولعل خير شاهد على ذلك أنني لم أكن أقع ثانية في أخطاء يُصححها لي الآخرون، سواء أكان ذلك داخل الفصل حيث يُصحح لي المعلمون، أو حتى خارج الصف مما يصححه لي من هم أقدر مني وأعرف باللغة وقواعدها”.

 (3)

 وقال متعلم ثالث:” في ذات السياق” لقد ارتكبت أخطاء في أحايين كثيرة وبخاصة في استخدام قواعد اللغة والنطق ولكن بالنسبة لي، لم أرها مصيبة!!  طالما أن الشخص الذي أتحدث معه يفهم مضمون ما أقوله، فلا بأس بذلك.   ومما أحببته في نفسي، وكنت أرى الكثير من الزملاء يكرهونه، هو شغفي بمعرفة ما أقع فيه من أخطاء بُغية التصحيح، وكنت أتوق إلى الاستماع لأحد المعلمين الذي كان يهتم كثيرًا بعملية تصحيح الأخطاء في بعض دوراتٍ كنا نتدارس فيها اللغة … لقد كانت الأخطاء هي طريقي القصير لبلوغ الكفاءة اللغوية المناسبة”.

(4)

وقال رابع: “عادةً ما كنت أهتم بتسجيل بعض الملاحظات حول نقاط ضعفي في القواعد اللغوية والنطق، تلك التي أكتشفها في الدرس أو يُمدُّني بها المعلم/الزملاء خلال ملاحظاته/ملاحظاتهم على أدائي، وكنت أذهب للبيت وأتدارس ذلك مستفيدًا من أخي الأكبر الذي يُجيد العربية، وأستبينُ وجه الصواب والدقة من معلمي في الفصل او في أوقات الراحة”.

(التحليل)

وقبل أن نشرع في تحليل سلوك هذه الأنماط، والتعليق على ما احتازته من الاستراتيجيات البيداغوجية التعليمة المتنوعة، يقمن هنا توجيه المساءلة –برفق- لك أيها المتعلم: هل تنتمي أنت لهذه الفئة من الأنماط التي تتعامل مع أخطائها وفق هذا المُعطى البيداغوجي التعلُّمي الناجع؟

،،،

تدفعنا النماذج أعلاه لاستعادة المقصود بالخطأ من المنظور البيداغوجي فالخطأ “قصور لدى المتعلم في فهم أو استيعاب التعليمات المعطاة له من لدن المدرسين، يترجَم سلوكيا بإعطاء معرفة لا تنسجم ومعايير القبول المرتقبة”، ويعتبر الخطأ في البيداغوجيات الحديثة منطلقا ومحركا لعمليات التعليم والتعلم. والخطأ بالنسبة (لباشلار) ليس مجرد محاولة أو تعثر، بل ظاهرة بيداغوجية تمثل نقطة انطلاق المعرفة، لأن هذه الأخيرة لا تبدأ من الصفر بل تمر بمجموعة من المحاولات الخاطئة، ويعتبر الخطأ تصورا ومنهجا لعملية التعليم والتعلم، تقوم على اعتباره استراتيجية للتعليم والتعلم (Dominique le court. Bachelar, 1994) ، وبالفعل، بالنظر لاستراتيجيات التعلم التي سلكتها هذه النماذج يتضح مدى إيمانهم معظمهم بأن أخطاءهم مثّلت نقطة انطلاقهم نحو تعلم واكتساب اللغة.

لقد استحقت هذه النماذج بما مثلته من أنماط تعلمية قادرة على الإفادة من الخطأ وتحويله إلى نقطة دافعة نحو مزيد من التعلم الاكتساب إلى أن تكون نماذج عُليا يُرجى الاقتداء بها. تجلى ذلك بوضوح في نجاحهم معظمهم بدءًا في اكتشاف /الرغبة في اكتشاف اخطائهم، ومن ثم إمكانية الوصول لما يُسمى استراتيجية تجاوز الخطأ، حيث تدعو بيداغوجيا الخطأ إلى اتباع منهجية علمية للتعامل مع الخطأ، ويمكن تلخيص خطوات تلكم المنهجية فيما يلي:(رشيد التلواني، 2014)

  1. تشخيص الخطأ ورصده.
  2. إشعار المتعلم بحدوث خطأ: وهنا لا ينبغي إغفال الخطأ والتنكر له واتخاذ موقف سلبي اتجاهه، بل لابد من الرفق بالمخطئ والالتزام بحقه في الوقوع في الخطأ.
  3. تصنيف الخطأ: فمثلا، في اللغة العربية، يمكن تصنيف الخطأ إلى: خطأ إملائي – خطأ نحوي – خطأ تعبيري …
  4. تفسير أسباب الخطأ التي دفعت المتعلم إلى ارتكابه: أي هل هو ناتج عن تداعيات إبستمولوجية، أم تعاقدية، أم يعود إلى المتعلم ذاته؟
  5. معالجة الخطأ: على المدرس أن يظل يقظا حتى يساعد تلامذته على التخلص من الأخطاء؛ والنهج الوجيه في تصويب الخطأ يتم بتولي صاحبه تصحيحه بنفسه.

إن هذه النماذج السابقة من المتعلمين الجيدين قد أوصلهم تفكيرهم الجيد-وهم محض متعلمين- إلى ضرورة عدم الخوف من ارتكاب الأخطاء في ممارسة اللغة، وليس ذلك فحسب، بل إنهم أدركوا أن الأخطاء التي يرتكبونها هي سبيلهم لتحسين قدرتهم –وقد سعوا في ذلك-على تعلم اللغة إذا تمكنوا من الانطلاق منها نحو مزيد من اكتساب الثقة نحو تعلم اللغة وتعلمها.  إننا نستطيع القول بإن ارتكابهم للأخطاء مثَّل استراتيجية تعلمية حديثة تعرف ببيداغوجيا بالتعلم من الخطأ، لقد سعو أن تكون الأخطاء لصالحهم، ولم يسمحوا لها بأن تكون عائقًا يقف ضدهم، فتُوقِفُهُم عن المُضي قدُمًا في رحلة التعلم واكتساب اللغة.

 ومما يمكن تبئيره بوصفه الخاتمة الأبرز في كل هذه النماذج والأنماط من المتعلمين استنتاج وتأكيد أن الدافع، والبيئة، والمواقف تُجاه الأخطاء من العوامل المؤثرة للغاية في استخدام استراتيجيات تعلم اللغة، وفي التغلب على معوقاتها كلها سبيل رشيد نحو التعلم، لا شك.  فأين أنت، عزيزي المتعلم، من النماذج والأنماط السابقة؟

Post a Comment

ادخل بريدك الالكتروني للإشتراك في هذا الموقع لتستقبل أحدث المواضيع من خلال البريد الالكتروني

تسجيل عضوية جديدة

Reset Password