fbpx
a

Lorem ipsum dolor sit amet, conse ctetur adip elit, pellentesque turpis.

استراتيجيات الإغماس القيمي في تعليم الناطقين بغير العربية

د. السيد أبو الوفا

أستاذ اللغة العربية المساعد بجامعة العلوم الإنسانية

بدايةً يجب تأكيد أن (الإغماس القيمي) هنا مصطلح يُراد به إدخال جملة القيم الأخلاقية والإنسانية في تعليم العربية، وذلك عن طريق «الممارسة التربوية التي تقتضي استحضار القيم في الممارسة اليومية، وفي جميع الأنشطة التعليمية التعلّمية، سواء أكانت صفية أو مندمجة، حتى تتاح للمتعلم فرصة استبطان هذه القيم منذ مراحل تعلمه الأولى، واكتسابها وتعلمها وتوظيفها بسلاسة ويسر»، وذلك بالضرورة وفق جملة من الآليات والاستراتيجيات المدروسة التي تصلح لتكريس مثل هذه القيم والجماليات، ومن هذه الاستراتيجيات ما يلي:
الاستراتيجية‭ ‬الأولى‭: ‬رغبة‭ ‬معلمي‭ ‬العربية‭ ‬في‭ ‬إجراء‭ ‬عمليات‭ ‬الإغماس‭ ‬القيمي‭ ‬جنبًا‭ ‬إلى‭ ‬جنب‭ ‬مع‭ ‬تعليم‭ ‬اللغة‭.‬
وآية ذلك بناءُ أو تبنّي واختيار المنهاج التعليمية الذي تنبني أركانه على مثلث أضلاعه: المعارف، والمهارات، والقيم؛ بحيث يتبنى كل/معظم أعضاء هيئة التدريس في الجامعة أو القسم أو مركز تعليم اللغة أو ما شابه جملة من القيم والمبادئ الأخلاقية والإنسانية والاجتماعية البانية، والإلمام الجدّي بآليات واستراتيجيات غرسها وإغماسها في نفوس الطلاب جنبًا إلى جنب مع تعليم اللغة وآدابها، وهو ما يتمظهر غالبا في رؤيتهم ورسالتهم التربوية والتعليمية، وفي معاملاتهم وسلوكاتهم الحياتية. فحين تتجلى تلكم القيم في أقوال المعلمين وأفعالهم، يسهل من ثم نقلها وتعليمها للطالب الأعجمي تأثيرًا وتأثرًا، أو قل إن شئت مثاقفةً واعيةً أو حتّى لا واعية.
الاستراتيجية‭ ‬الثانية‭: ‬تمثُّلُ‭ ‬معلمي‭ ‬العربية‭ ‬لدور‭ ‬القدوة‭ ‬وقيامهم‭ ‬به
ونعني بذلك ضرورة أن يتمثل معلمو العربية للناطقين بغيرها كونهم قدوةً قناعةً وقصدًا وأداءً؛ فتمثل القدوة هنا يوازيه -لا شك- تجسُّد القيم لدى المعلم بشكل تتماهى فيه سلوكاته مع مبادئه، وأقواله مع أفعاله، فلا يكون تبنيه للسلوك القيمي-على حد قول أحد الباحثين- «جلبابا يلبسه المربي كلما حضر إلى المؤسسة، لينزعه بمجرد عبور حاجز بابها، وكأنه يحمل عبئا لا يلبث أن يرميه كلما شعر بعدم المراقبة الإنسية». ومن البدهي أن تتجلى في روح المعلم وتصرفاته في صفِّه الدراسي قيم النباهة والعلم والأخوة والعدالة…. إلخ، وبالجملة أن يؤمن بأن عليه إعطاء القدوة دون تكلف ودون اصطناع.
الاستراتيجية‭ ‬الثالثة‭: ‬العمل‭ ‬على‭ ‬ترسيخ‭ ‬قيمة‭ ‬العمل‭ ‬الجماعي‭ ‬والمشاركة
يأتي العمل الجماعي للمعلمين أو المتعلمين داخل الصف وخارجه بوصفه التربة الخصبة التي ستنمو فيها وتترعرع جملة القيم المتبناة، فهو الوسيلة المثلى لتعليم القيم وغرسها، وتقويم السلوكات غير المرغوبة، وتكريس الأفعال والسلوكات المرغوبة، ومعبرًا مهمًا موصلا لبناء العلاقات الإنسانية الناجحة، ومحفّزًا نشطًا لبث روح العمل الجماعي الإيجابي والتنافس المشروع واحترام الضوابط الأخلاقية. وهو هنا يقع على عاتق معلمي العربية للناطقين بغيرها في المقام الأول، ولعل في إجراء الكثير من آليات واستراتيجيات التعلم التعاوني، وطرائق التعلم التواصلي بصفة خاصة ما يعين على ذلك.
الاستراتيجية‭ ‬الرابعة‭: ‬استغلال‭ ‬المواقف‭ ‬الحقيقية‭ ‬أو‭ (‬اصطناعها‭ ‬بمهارة‭) ‬من‭ ‬واقع‭ ‬المتعلم
ليس جديدًا أو غريبا أن نقرر أنه لإغماس القيم الإيجابية في المتعلم يجب استغلال المواقف الحقيقية من واقع المتعلم (الدروس التعليمية والتربوية) تلك التي لها دلالة واضحة في نفسه، فيحدد دوره في الالتزام بها بعد أن يكون قد حصَّلها فهما وقناعة وإعجابًا، أما الوضعيات البعيدة عن السياق الثقافي للمتعلم فهي تشكل-كما ذهب أحد الباحثين- بالنسبة له عائقا سلبيا، لأن دلالة المفهوم في ذهنه ليست بالضرورة ما تدل عليه في الواقع. ولعل في استعراض بعضٍ من الأمثلة ما يوضح الأمر ويجليه، فمن الأمثلة الإيجابية:
البحث والنظر الجيد في عنوانات الموضوعات ومحتواها، والإفادة بما فيها من قيم وجماليات ودلالات.
علاج خصامٍ أو مشاحنة بين شخصين، مع مراعاة اللازم من الأدب والأخلاق والثقافات.
قيام المعلم بدوره إزاء لجوء أحد الطلاب إليه في مشكلة ما داخل الصف أو خارجه، لترسيخ قيم إنسانية عُليا منشودة.
أما عن الأمثلة السلبية في هذا الصدد فيمكننا استعراض بعض منها، كالتالي:
خوض المعلم في صفه في مسائل الطلاق وحقوق المرأة (دون سؤال أو حاجة ماسة)، ويكون هذا بالضرورة في الصفوف المتقدمة، فالخسارة هنا أكبر بكثير مما قد يراه المعلم توضيحًا للبْسٍ، أو تقديمًا لمعرفة.
الإفاضة في شرح صفات فتى/فتاة الأحلام دون الحاجة (للسبب السابق ذاته).
ترك السلوكات الشائنة عرضة للانتشار في الصف بحجة التغافل أو التسامح مثَلًا.
الاستراتيجية‭ ‬الخامسة‭: ‬عدم‭ ‬إيقاف‭ ‬استراتيجية‭ ‬غرس‭ ‬القيم‭ ‬على‭ ‬النص‭ ‬المقدس ‭  -‬قرآنا‭ ‬أو‭ ‬حديثًا‭  ‬فقط – ‭.‬
والمقصود هنا ألا ينظر معلمو العربية للناطقين بغيرها للقيم الإنسانية الراشدة، وجملة الأخلاق القويمة بوصفها تخص أهل الدين ونصوصه فحسب، أو تخص درس التربية الإسلامية فقط؛ ذلك أن مدخل القيم كما هو ثابت هو أحد المداخل الأساسية لبناء المناهج، وهو ما يؤيد قناعتنا بإمكانية غمس القيم جنبًا إلى جنب مع تعليم اللغة وآدابها.
الاستراتيجية‭ ‬السادسة‭: ‬الاحتراز‭ ‬بسلبيات‭ ‬ما‭ ‬يعرف‭ ‬بالمنهج‭ ‬الخفي‭ ‬أو‭ ‬الصامت‭.‬
والمنهج الخفي-كما هو معلوم- هو كل ما يمكن أن يتعلمه الطالب بدون قصد وبدون تخطيط أو منهج رسمي، وهو أيضا كل ما يمكن أن يُستنبط من مفاهيم وسلوكات من خلال التعامل مع المعلم ومجموعة الرفاق أو الشريك اللغوي المختار. وهو ما يؤدي إلى حدوث تناقض في الفهم والاستيعاب لدى شخصية الطالب الأعجمي الذي غالبًا ما يأتي إلى البلاد العربية أو يلتحق بصف دراسي للغة العربية حاملا صورة ذهنية إيجابية عن العربية وأهلها ومتعلميها، فيصطدم بما يرتئيه من اختلاف بين ما تصوره أو سمعه وما يقال له، وما يتعلمه، وما يشاهده من مواقف.
أمثلة تطبيقية
ما القيمة التي يمكن غرسها في الطلاب عند تناول النص الآتي، وكيف؟
مُشْرِفُ‭ ‬المَكْتَبَةِ‭: ‬وَعَلَيْكُمْ‭ ‬السَلَامُ‭ ‬وَرَحْمَةُ‭ ‬اللهِ‭.‬
الطَّالِبُ‭: ‬مِنْ‭ ‬فَضْلِكَ‭ ‬يَا‭ ‬أُسْتَاذُ،‭ ‬أَحْتَاجُ‭ ‬مِنْكَ‭ ‬مُسَاعَدَةً‭.‬
مُشْرِفُ‭ ‬المَكْتَبَةِ‭: ‬بِكُلِّ‭ ‬سُرُورٍ‭… ‬تَفَضَّلْ‭… ‬هَلْ‭ ‬أَنْتَ‭ ‬طَالِبٌ‭ ‬جَدِيدٌ؟
لا يبدو استكناه جملة القيم عند دراسة هذا النص بمنأى عن الكثيرين فمن فضيلة رد السلام، إلى آداب الحديث، إلى مساعدة الآخرين…. إلخ، إلّا أن المطلوب حقًا هو الوقوف على استراتيجيات غرس تلك القيم، وآليات غمسها في الدارسين. وحريّ أن استراتيجيات تنفيذ تلكم القيم تختلف من معلم لآخر، ومن بيئة تعليمية لأخرى، بما يتناسب مع فقه المعلم لها ومدى قصده في تكريسها، فمثلا فضيلة رد السلام قد تأتي بالتنويه لفضلها العظيم وحرص المعلم على أدائها كلما سنحت الفرصة لذلك (القدوة)، وآداب الحديث قد يتم التأكيد عنها دومًا خلال الدروس وحديث الطلاب وتقويم سلوكاتهم خلال تفاعلاتهم ومشاركاتهم المتباينة (عمل جماعي)، أمَّا مساعدة الآخرين تأتي بتقديم النموذج القدوة من خلال المعلم أو بالإشادة الدائمة بمن يقدم مثل هذا النموذج في مساعدة زملائه من الطلاب، أو غير ذلك. وفي نصٍ أكثر تقدمًا حيث يقول المتكلم:
«نَحْنُ فِي يَوْمَيْ العُطْلَةِ (السَّبْتِ، وَالأَحَدِ) نَقُومُ بِأَعْمَالِ المَنْزِلِ مِنْ التَّنْظِيفِ وَالتَرْتِيبِ وَالتَجْهِيزِ، فَأَبِي يُرَتِّبُ مَكْتَبَهُ صَبَاحًا، ثُمَّ يَخْرُجُ إِلَى السُّوقِ لِشِرَاءِ اِحْتِيَاجَاتِ الأُسْرَةِ الأُسْبُوعِيِّ. وَأَنَا أَغْسِلُ السَّيَّارَةَ بَعْدَ أَنْ أُرَتِّبَ حُجْرَتِي وَكُتُبِي وَأَدَوَاتِي، وَأَخَوَايَ الصَّغِيرَانِ يُنَظِّفَانِ دَرَّاجَتَيْهِمَا وَيُرَتِّبَانِ غُرْفَتَهُمَا الخَاصَّةَ. وَجَدَّتِي -أَطَالَ اللهُ بَقَاءَهَا -تَسْقِي زُهُورَ الحَدِيقَةِ وَأَشْجَارَ الكُرُومِ. وَتُنَظِّفُ أُمِّي وَأُخْتِي المَطْبَخَ وَحُجُرَاتِ المَنْزِلِ وَالأَرْضِيَّاتِ وَالنَّوَافِذِ مِنْ الأَتْرِبَةِ وَالأَوْسَاخِ، ثُمَّ تَضَعَانِ الغَسِيلَ فِي الغَسَّالَةِ.
يصبح استكناه جملة القيم الموجودة أكثر دقة، فهي مندغمة في النص اندغامًا كليًّا من دون أن يكون لها نص واضح أو جمل وتعبيرات دالة، ومن ذلك: مساعدة الأهل في أعمال البيت من ترتيب وتنظيف، وتنظيم الوقت، وتقسيم الأعمال والمشاركة في إنجازها، والبر بالوالدين، والدعاء للأهل واحترام الكبير، الرحمة بالصغير، تقدير جهود الآخرين…. إلخ.
على أن استراتيجيات غمس هذه القيم والتنويه بها قد يتأتى برأينا بالإلماح والإشارة الخفيفة للفعل وجماله وأثره (تبني الفعل والقناعة به)، أو بترك الطالب/الطلاب يستخرج ما ارتآه من دروس تربوية وقيم جمالية فُرادى أو مجموعات (عمل تشاركي)، أو حتى بسؤاله عمَّا لم يعجبه في النص من سلوكات أو ما شابه (الضدّ). وهو ما يفيد ولا شك في الوقوف على مهارة فهم المقروء من دون كبير عناء. وقد يصبح مجال إغماس القيم هو التدريب ذاته، فلا ينبغي للمعلم أن يمر عليه نص السؤال ومفرداته مرور الكرام، أعني لا يكون شغل المعلم الشاغل هو الحصول على إجابة السؤال أو التحقق من تحصيل مهارة ما فحسب، وبخاصة إذا كان السؤال ذاته حاملًا قيمة جمالية أو أخلاقية واضحة كبعض جمل السؤال التدريبي التالي:
س: حَدِّدْ فِعْلَ الأَمْرِ فِيمَا يَلِي، وَبيِّنْ كَيْفَ عَرَفْتَهُ:
اِجْتَهِدْا‭ ‬يَا‭ ‬صَدِيقَايَ،‭ ‬فَالاِمْتِحَانَاتُ‭ ‬عَلَى‭ ‬الأَبْوَابِ‭.‬
أَقِمْ‭ ‬الصَّلَاةَ‭ ‬إِلَى‭ ‬وَقْتِهَا،‭ ‬وقُمْ‭ ‬اللَّيْلَ‭ ‬إِلَّا‭ ‬قَلِيلًا‭.‬
نَامُوا‭ ‬مُبَكِّرًا‭ ‬يَا‭ ‬رِجَالُ،‭ ‬فَأَنْتُم‭ ‬مُتْعَبُونَ‭.‬
سَاعِدْن‭ ‬أُمَّكُنَّ‭ ‬يَا‭ ‬بَنَاتُ،‭ ‬فَهَذَا‭ ‬مِنْ‭ ‬البَرِّ‭.‬
اِحْتَفِظِي‭ ‬بِحَيَائِكِ‭ ‬بُنَيَّتِي،‭ ‬فَهُوَ‭ ‬خَيْرُ‭ ‬زِينَةٍ‭ ‬لَكِ‭.‬
وأختم حديثي هنا بالإشارة لجملة من القيم الجمالية والأخلاقية الراقية التي لا يفتأ منهج دراسي للغة العربية أن يتضمنها بين دروسه، وأهدافه، ومنها: العلم وقيمته – الاجتهاد في تحصيل العلم – احترام الزملاء – المواطنة والتعايش مع الآخر – الاتصال بالقرآن – اختيار الصديق – حب الوطن – القدوة في المظهر – الاعتراف بالخطأ والاعتذار عنه – التماس الأعذار للمخطئين – احترام المواعيد – العدل ولو على النفس والأقربين – التأني في اختيار شريك الحياة – احترام الرأي الآخر…. إلخ.
ولأضرب مثلا عمليًّا على تطبيق إحدى تلك القيم داخل القاعة، ألا وهي قيمة «ثقافة الاعتذار»، وسأبين كيف وفقنا الله تعالى من خلال استراتيجية تقديم القدوة إلى تحبيب الطلاب في القيمة، بلْهَ تبنِّيها بوصفها سلوكا أخلاقيا راقيا فيما بينهم، وبالتالي في الحياة بوجه عام.
«ذات يوم أخطأت في إعراب كلمة ما داخل الصف، وبنيت كلامي وإعرابي وفهمي للنص على ما اعتقدت أنه صواب، وفهم بعض الطلاب النابهين الخطأ ووقفوا عليه إلا أنهم لم يجرؤوا على إيقافي ومواجهتي به، إما خوفًا أو حرجًا(!)… إلا أن أحدهم تملّك الشجاعة – بعد الدرس- وأتي يراجعني في المعنى والإعراب ثانيةً، فلما تبين لي خطئيَ الفاحش ارتأيت أن أصحح ما أخطأت فيه ليس أمام الطالب الجسور وحده فحسب، وإنما أمام كل من كان في الصف… فلما كان الغد قمت بكتابة النص ثانية وأعربته إعرابًا صحيحًا واعترفت بالخطأ الذي كان، وصححته وشكرت للطالب فعله، ولُمْتُ -برفق- من خاف النصيحة، أو لم يشأ إغضاب المعلم… من هنا نعتقد أننا بذرنا بذرة لثقافة الاعتذار حتى أصبحت خلقا جميلًا مأتيًّا دومًا في كل موقف لخطأٍ مماثل يستوجب الاعتذار.
المراجع
المنهاج القيمي نحو رؤية جديدة لإدماج القيم بالمنظومة التربوية -خالد أوعبو-مجلة حراء-2018م.
المنهج الخفي وأثره في تشكيل شخصية الطالب -صحيفة الرأي http://alrai.com/article/683238.html
سلسلة شمس العربية-الكتاب الأول.
من الانغماس اللغوي إلى الانغماس القيمي-مجلة حراء -5 مايو 2018
منظومة القيم في المناهج التربوية
http://www.guercif24.com
Post a Comment

ادخل بريدك الالكتروني للإشتراك في هذا الموقع لتستقبل أحدث المواضيع من خلال البريد الالكتروني

تسجيل عضوية جديدة

Reset Password