fbpx
a

Lorem ipsum dolor sit amet, conse ctetur adip elit, pellentesque turpis.

الازدواجية اللغوية تحديات وإمكانات

هالة عبد الرحمن ربيع

معلمة لغة عربية للناطقين بغيرها


تواجه معلم اللغة العربية للناطقين بغيرها تحديات عديدة عند تدريس العربية….
فهل يمكن تحويل هذه التحديات من معيقات في طريق تعلم العربية إلى وسيلة معينة؟!
من هذه التحديات «الازدواجية اللغوية  الفصحى والعامية» في المجتمع العربي المحيط بالطالب الأجنبي، والتي تمثل عقبة كبيرة في طريق تعلّمه العربية.
فقد نجد الطالب الذي يتعرّض للعامية بشكلي جزئي أو كلي يختلط عليه الأمر، فيستعمل أحيانا مفردات عامية على أنها فصحى وهنا تكمن المشكلة.
وتكون المشكلة أكبر عندما يستخدم بعض المعلمين أنفسهم بعض الكلمات العامية، فالدارس لا يأخذ عن معلِّمه مفردات وعبارات الدرس «المقرر» فحسب، بل طريقته في التعامل مع اللغة وحروفه وكلماته وعباراته كلها، وعليه فعلى المعلم أن ينتبه لحروفه وكلماته وعباراته من حيث الصحة اللغوية، وألا يخلطها بالعامية.
و العامية في المجتمع لا يد لنا فيها، فهل يمكن الاستفادة منها؟ وهل يمكن تحويل هذا التحدي لفرصة في التقدّم في اكتساب وتعلم اللغة العربية؟!
لأن احتقار واقعنا اللغوي ومعاداته لا يعطينا الفرصة لدراسته ورؤيته على حقيقته لعلاج ما يحتاج منه إلى علاج كما يقول د. بدوي السعيد .
فأولا، دعونا نُسلِّم بالواقع اللغوي المنقسم، ذلك الواقع الذي يواجهه دارس العربية غير الناطق بها في مجتمعاتنا العربية، واقع علينا أن نتعامل معه لا بالندب والشكوى، بل بدراسته في محاولة لتوظيفه لصالح عملية تعلم العربية، فليست العامية لغة أخرى أو مستوى لغوي آخر بعيد عن الفصحى، بل منها انحدرت وقدأخذتْ وقد تركتْ.
يقول د.السعيد بدوي -رحمه الله- في كتابه الفريد «مستويات العربية المعاصرة في مصر- بحث في علاقة اللغة بالحضارة»:
«من الأفكار الشائعة التي تصل درجة المسلمات أن التركيب اللغوي للمجتمع المصري يقوم على محورين: الفصحى في أقصى اليمين والعامية في أقصى اليسار، دون أن يكون بينهما أي لقاء…… صحة مطلقة في ناحية وخطأ مطلق في الأخرى، أبيض وأسود، ولا شيء بينهما يكسر حدة الانتقال من الواحد إلى الآخر..
وكلامه صالح لكل العاميات في مجتمعنا العربي.
والعامية لها ظواهرها اللغوية على المستوى الصوتي والصرفي والدلالي، أخذت من الفصحى وغيرت وحذفت وأضافت وقلبت، وبدلت…
وهي ليست مستوى واحدًا، فبحسب تقسيم د. بدوي للمستويات اللغوية في المجتمع نجد التالي:
فصحى التراث وفصحى العصر وعامية المثقفين وعامية المتنورين، عامية الأميين.
إذن فالدارس يواجه خارج الفصل الدراسي ثلاث صور للعامية:
فيسمع أصواتًا تشبه لحد كبير أصوات الفصحى، فيسمع حروف العربية بصورها الساكنة والمتحركة.
ويسمع أصواتًا تتفق والفصحى بشكل كلي، وأخرى تتفق بشكل جزئي؛ مثل: الثاء والذال في المجتمع المصري.
ويسمع كلمات مشتركة مع الفصحى لا ينقصها سوى الحركة الإعرابية مثل: طماطم، تفاح.
ويسمع كلمات تتشابه بشكل جزئي مع العامية، كأن تتفق في الحروف وترتيبها، وتختلف في ضبط بنيَة الكلمة، مثل: مُوز، بضم الميم ومد الواو مخالفة الفصحى التي تفتح الميم وتسكن الواو. (الأمثلة من العامية المصرية، ولكل عامية عربية ظواهرها ومفرداتها)
ويسمع كلمات تشابه بنيتها بنية الفصحى ولكن المعنى يختلف، إلى غير ذلك.
سيخرج الطالب للمجتمع ويكتسب من السياق التواصلي وبشكل طبيعي تماما غير مصطنع ولا مُتَكلَّف كلمات ذات وظيفة لغوية، وسيدرك معناها بلا حاجة لاستخدام إستراتيجيات شرح المفردات التي يستخدمها المعلم. سيكتسب بناء لغويا ويكتسب معنى، قد يوافق هذا المُكتَسب الفصحى وقد يخالفها.
سيتلقى المعاني من خلال أقوى الإستراتيجيات وهي السياق في شكلها «الطبيعي» ، فيكتسب اللغة في صورة مشابهة بشكل جزئي لاكتساب الطفل للغته الأم..
ودور المعلم تأكيد صحة المبنَى (الكلمات) لهذا المعنى المكتسب، أو ذكر المقابل الفصيح حالة عدم صحة البناء
نعم قد اكتسب مفردات وتعابيرعامية، لكن هل استفاد استفادة تفيد لغته الفصحى؟
فإذا قمنا بدراسة لنسبة المشترك بين الفصحى والعامية في كل مستوى من مستويات العامية الثلاثة، أو في العامية بشكل عام، فكم ستكون النسبة؟ وكم سيكتسب الطالب مما هو مشترك مع الفصحى؟ وكم سيبتعد عنها؟ وهل حجبه عن المجتمع «العامي» إن أمكن – وهذا غير ممكن- يفوق فائدة في تعلمه الفصحى عما سيكتسبه ويكسبه بالمخالطة اللغوية؟
كان لدي نموذجان لطالبتين إحداهما ماليزية والأخرى روسية، كل منهما كانتا تدرسان في مصر، كلتاهما أظهرتا تقدما ملحوظا عن مثيلاتهن في تعلم الفصحى، وفي الطلاقة اللغوية، وكانت الصفة المشتركة بينهما الانفتاح بدرجة كبيرة على المجتمع المصري ولهن صديقات كثيرات من المصريات، فأجادت كل منهما العامية.
يتمنى كل معلم للعربية أن تتوفر بيئة عربية خالصة للفصحى تحمِل عنه الكثير، لكن هذا هو الواقع الطبيعي، وعلينا أن نتعامل معه ولا نتجاهله وندرسه وندرس كيفية الاستفادة منه، نلاحظ ونجرب…
يأتي الطالب بما اكتسبه من عامية في سياقها الطبيعي، فيكون ما اكتسبه أدعى للثبات، وتعزيزا لقدرته على التواصل، وسيكسِبُه هذا شيئا من الطلاقة، وكأنها مرحلة تمهيدية ومساعدة لطلاقته بالفصحى، وعلى المعلم أن يوجِّه الطالب للمقابل بالفصحى ، وسيوفر هذا على المعلم جهده لشرح المفردات التي اكتسبها الطالب، فعليه فقط أن يأتي بالمقابل الفصيح، وكأن المعلم استخدم مايمكن أن نعتبره إستراتيجية «المقابل الفصيح» – إن صح التعبير- ويمكن أن تُضاف لإستراتيجيات تدريس المفردات، وهي إستراتيجية يسيرة في استعمالها على المعلم، تحتاج منه فقط ملاحظة لغة الدارس.
هل يمكن أن نضيف في مقرراتنا الدراسية وبرامجنا لمن يدرُس في المجتمع العربي مقررا تقابليا عاميا مسموعا يناسب كل مستوى؟ ونتدارسه مع الطلاب بشكل تفاعلي، ليدرك مدى صلته بالفصحى مستفيدين من هذه الثنائية، ربما ينمِّي هذا حس الدارس اللغوى المقارن، وقد يدفعه للبحث فيما يسمع من عامية عن صلتها بالفصحى.
الأمر مهم، ويحتاج لدراسة علمية نُحسن فيها قراءة الواقع اللغوي؛ حيث تحاصرنا العامية في المجتمع، لنخرج بنتائج نستند إليها بقوة لتوظيف الواقع لصالح تعليم الفصحى وتعلُّمها.

اقرأ المزيد

Post a Comment

ادخل بريدك الالكتروني للإشتراك في هذا الموقع لتستقبل أحدث المواضيع من خلال البريد الالكتروني

تسجيل عضوية جديدة

Reset Password