fbpx
a

Lorem ipsum dolor sit amet, conse ctetur adip elit, pellentesque turpis.

التلازم اللغوي مقاربة تطبيقية

محمد حمدان الرقب


لا شكّ في أنّ كثيرًا من المناهجِ والكتب التعليمية أخذت على عاتقها تيسير اللغة العربية بمهاراتها ومستوياتها وعناصرها، وحاولتِ الإفادةَ قدْرَ الإمكان من منجزات علم اللغة الحديث واللسانيات التطبيقيّة.
غيرَ أنّ الطريق ما تزال طويلة لبلوغ المرام في الإفادة العظمى من هذه التطبيقاتِ التي تأخذ بيد المنهاج متى ما أتيحت الفرصة للقائمين عليه.
وقد تصفّح كاتبُ المقالِ كثيرًا من المناهج والكتب التدريسية والتعليمية الموجهة إلى الناطقين بغير العربيّة، ووجد أن كثيرًا منها يفتقر إلى منهجٍ يقوم على فكرة تدريس التلازم اللغويّ، وإدخاله في صلب الفلسفات والطرق التعليمية، فجاءت الدروس خِلْوًا من تضمين التلازم بفروعه المتعددة: النحوية واللغوية والدلالية، ونتيجة لذلك خلت التدريبات والتمرينات من تطبيق هذه الفكرة أيضًا.
حتّى قوائم الشيوع، مثل قائمة مكة للمفردات الشائعة، جمعت المفردات الأكثر دوَرانا وشهرة على الألسنة، ولكنها وضعتها في قوائمَ منفردةٍ معزولةٍ عن السياق، وهذا لا يخدم متعلم اللغة العربية في شيء إن لم يكن على دراية بأوجه استعمالاتها ودلالاتها.
وبصورة عامة، يمكن أن أشير إلى أنّ المنهج التعليميّ، يجب أن يقوم على نظريّة اللغة، فيضع المعايير الصحيحة، ويشتقّ منها أهدافها ويربطها بالتدريبات والتمرينات ويقدّم تغذية راجعة لقياس الهدف وتصحيحه إن احتاج الأمر إلى ذلك، أما إذا لم يقم المنهج على هذه النظرية وطبّق قواعد اللغة تطبيقا عشوائيّا بعيدًا عن المنهجية والترتيب واستنطاق القواعد اللغوية وتقريبها إلى الأذهان تقريبا مناسبًا غير متكلّف فإنّ الخلل سيظهر جليّا.
وفكرة التلازم التي أتحدّث عنها قد قعّدها اللغويون والنحاة، فألّفوا فيها الكتب، وجهدوا أنفسهم من أجل توضيح صورتها، نظريا وتطبيقيّا، نحوًا ولفظًا ودلالة، فالنحو في غالب مباحثه قائم على الأزواج النحوية، والضمائم اللسانية، تؤدّي الكلمات فيه وظائف معيّنة، بصورة تكاد تكون ثنائية، من ذلك أنّ المبتدأ يحتاج إلى خبر احتياجًا دائمًا، والفعل يحتاج إلى الفاعل، والمضاف إلى المضاف إليه، وحرف الجرّ إلى الاسم المجرور، والحال إلى صاحبه، والتمييز إلى مميزه، وهكذا.
أمّا ميدان اللغة فهو ميدانٌ رحبٌ واسعٌ، إن طُبِّق تطبيقا جادّا في المناهج والكتب التعليمية، فمن المعروف أنّ كثيرًا من الألفاظ يصاحب ألفاظًا أخرى، فإذا نَطَق المتحدّث لفظةً جرتِ اللفظة الثانية منها مجرى الدم، وهذا ما نراه في ألفاظ حقولٍ كثيرة، كالصحافة والإعلام والسياسة والاقتصاد والتكنولوجيا والتاريخ وسائر الحقول والمعارف، وهذا التلازم اللغويّ يجمّل لغة المتحدّث / الكاتب الناطق بغير العربيّة، ويختصر عليه الوقت والجهد في الشرح والتوضيح، ويضفي مزيدًا من الألق والبهاء والسلاسة في لغته، ويقترب كثيرًا من أساليب الناطقين بالعربية، فتضيق الهوة النفسية أو المعرفية بينه وبينهم، ويشعر كأنه يتطوّر ويترقّى في التعلّم.
ولو تصفّحنا كثيرًا من الصحف والمقالات لوجدنا قائمةً طيّبة من الألفاظ المتلازمة التي يرد بعضُها مع بعضٍ، وقد جمعتُ بعضَ هذه الألفاظ، مثل:
(تجمَّد رصيد الوِحْدات – حقّق فوزه الثاني على التوالي – فوزٌ صعبٌ – تذيّل الترتيب – أعفاه من منصبه – نظّم احتفالا – أخذ على عاتقه – استهلّ اللقاء – وجبة غداء – بحث آخر المستجدّات – بحث آخر التطوّرات – دورة تدريبية – عزّز الثقة – إعفاء ضريبي – اخترق المجال الجوي – صدّ الهجوم)
وتوظيفُ هذه الألفاظ المتلازمة في المناهج والكتب التعليمية في النصوص والتدريبات المختلفة يساعد المتعلم الناطق بغير العربية على استخدام المفردات استخداما جيّدا بعيدًا عن الركاكة والهشاشة في التعبير عن حاجاته وآرائه ومعتقداته.
ويتّصل بالاستخدام الصحيح للغة تعرّف دلالات الألفاظ ومساراتها في اللغة، فكلّ مفردة لها خصوصية دلالية قد تصلح في موضعٍ ولا تصلح في موضعٍ آخر مع تقارب معانيها، فلفظة (كُسِرَ) مثلا تختلف اختلافًا دقيقًا عن لفظة (قُطِعَ) أو (تمزَّق)، والطالب الناطق بغير العربية متى ما هُيِّئ له الوقوفُ على الفروق الدلالية بين المفردات أمكنه من استخدام اللغة استخداما صحيحًا، ووضع كلّ لفظة موضعها الصحيح، من غير أخطاء أو أغلاط.
وقد ألّف اللغويون القدامى في دلالات الألفاظ وصنّفوا لنا المعاجم والرسائل اللغوية التي توضّح خصائص الألفاظ ودلالاتها، ولذلك ظهر مفهوم الفروق الدلالية، من ذلك صنّفوا في درجات الضحك، ودرجات البكاء، ودرجات النوم، ومراحل نزول المطر، وأوقات الليل، وأوقات النهار، وأسماء أعضاء الكائنات الحية، وأصوات الطيور والحيوانات، إلى غير ذلك، فإذا جئنا نطبّق هذا التراث الذي تركه له العلماء، فإننا سندرك أنّ (الطلّ) مثلا يختلف عن (الوابل)، مع أن كلتا المفردتين تدل على نزول المطر، وهذا قد يصعب على دارس اللغة العربية فهمه واستيعابه، ولكنّه مهمّ كثيرًا في تجلية المعنى وإيضاحه، خاصّة أن المنجزات اللسانية الحديثة في تطوّر مستمرّ، وتحديثات في أساليب التدريس والتعليم.
خلاصة:
إنّ النحو يعصم اللسان عن الخطأ، فمن بابِ أولى يجب على المنهاج أن يقوم على فكرة التلازم النحويّ، ويضع التدريبات المناسبة التي تعضدها، وإن اللغة العربية بألفاظها تمثل جانبًا جماليا ومعرفيا كبيرًا، فالاعتناء بتدريس التلازم اللغويّ يختصر كثيرًا من الجهد والوقت في التعبير، وينفي الغربة النفسية عن الطالب الناطق بغير العربية فينطلق لسانه، وإنّ الدلالة ثمرة الدراسات اللسانية مجتمعة، وعليها قوام البلاغة، ولذلك إنّ الاهتمام بالتلازم الدلالي له ثمرته المحمودة، فيحفظ للمفردات حدودها فلا تختلط، ويحفظ لها خصوصياتها ومجالاتها الدلالية.
Post a Comment

ادخل بريدك الالكتروني للإشتراك في هذا الموقع لتستقبل أحدث المواضيع من خلال البريد الالكتروني

تسجيل عضوية جديدة

Reset Password