fbpx
a

Lorem ipsum dolor sit amet, conse ctetur adip elit, pellentesque turpis.

بيني وبين القرآن برزخ!

محمد عبد الله متولي

مشرف التعليم المباشر بمركز استديو العربية


كعادتي في أول لقاء مع أي طالب جديد يريد دراسة اللغة العربية؛ سألته: لماذا تريد أن تتعلم العربية؟
كان شابا أربعينيا، يعمل طبيبَ أشعة في أمريكا، جاءني جوابه كما كنت أتوقع تماما، وكما يقول أكثر الطلاب الذين يريدون دراسة العربية: أريد أن أفهم القرآن وأفهم ديني، إجابة مع تكرارها لم تعد تلقى هذا التأثر الداخلي لدي إلا إذا استشعرت حرارة أنفاس قائلها، وما تُنبئ به من صدق همته وصفاء نيته.
بدأنا دروسنا وبدأت معه كما أفعل مع غيره من الطلاب على شاكلته الذين يريدون تعلم العربية لأجل فهم القرآن؛ أذكر بعض المفردات التي تقابلنا في دروسنا ثم أذكر مواطن مواضعها المختلفة في القرآن الكريم لنصنع ربطا بين المفردة وبين استخدامها القرآني، ووجدت منه حماسا كبيرا لهذا الأمر، أما الكلمات التي لا توجد في القرآن فكنت أتخير من بين استراتيجيات شرح المفردات ما يناسبه ويعينه على فهمها، وكنت أظن أن الأمر سيكون شاقا مرهقا عليّ، لأن صاحبي هذا لم يكن يريد أن يتعلم من التحدث إلا ما يكفيه للتواصل الأولي، وهو أيضا ضعيف في القراءة يتعتع كثيرا أثناء قراءته للدرس، وبالطبع لا يلقي بالا للكتابة فهو فقط يريد أن يركز على مهارة القراءة بشكل أكبر ليتحسن فيها آليا ومعرفيا بفهم ما يقرأ، ولكن سرعان ما تبدل ظني إلى يقين في عكس ما ظننت ومتعة فيما وجدت، فصاحبي هذا الطالب من حبه للقرآن أطلع على ترجمات مختلفة لتفسيره وارتبط بالمفردات القرآنية ارتباطا سَهَّل عليه كثيرا تعلم اللغة.. فقد بلغ من حبه وحرصه على فهم القرآن وتدبره مبلغا عجيبا، حيث إنه يفهم تقريبا جُل كلمات القرآن، وليس هذا فحسب؛ بل يربط بينها وبين اشتقاقاتها المتنوعة بشكل عجيب، فعندما أشرح له معنى كلمة صراع أجده يستحضر قوله تعالى {​‭​​‬فَتَرى‭ ‬القوْم‭ ‬فِيهَا‭ ‬صَرعى‭ ‬كَأنَّهُمْ‭ ‬أعجازُ‭ ‬نخْلٍ‭ ‬خاوِيةٍ ‭{‬
وهكذا، عندما فطنت إلى هذا؛ أصبحت أشرح له المفردات بذكر مواطنها في القرآن أو ذكر أحد مشتقاتها بل وبما يرادفها من المفردة القرآنية فيستوعبها فرحا بسهولة ويسر، فمثلا عندما أردت أن شرح له كلمة وعى أذكر له ‭}‬وَتَعِيَهَا‭ ‬أُذُنٌ‭ ‬وَاعِيَةٌ‭ { ‬هكذا فقط أذكر الآية دون مزيد شرح! وعند شرحي
لكلمة يشتم ذكرت لها مرادفها القرآني يسب في
قوله تعالى: ‭}‬وَلَا‭ ‬تَسُبُّوا‭ ‬الَّذِينَ‭ ‬يَدْعُونَ‭ ‬مِنْ‭ ‬دُونِ‭ ‬اللَّهِ‭ ‬فَيَسُبُّوا‭ ‬اللَّهَ‭ ‬عَدْوًا‭ ‬بِغَيْرِ‭ ‬عِلْمٍ‭{‬.
حتى في حديثه معي تعلق في ذهنه بعض المفردات القرآنية فيستخدمها، وإن لم تكن شائعة في استخدامنا المعاصر، فإذا أراد أن يخبرني أننا علينا أن نختار شيئا من دروس الكتاب أجده يقول نجتبي.
وإن تعجب فأعجب من هذا أنه رغم حالته تلك قال لي يوما: يا أستاذ؛ بيني وبين اللغة برزخ، أريد أن يزول لأفهم القرآن أكثر، أريد أن أعطي وقتا أكبر للقرآن!
مرة أخرى أراد أن يقول هناك حاجز بيني وبين اللغة، فاستخدم كلمة برزخ لقوله تعالى: ‭}‬بَيْنَهُمَا‭ ‬بَرْزَخٌ‭ ‬لا‭ ‬يَبْغِيَانِ‭{‬. تبسمت وفي نفسي يدور ألف حديث: وما يضيرك إن كان بينك وبين اللغة برزخ يمنعك عن القرآن وأن تستفرغ وسعك، وغيرك من العرب من لا يدرك نعمة أن خلق عربيا يستطيع أن يستمتع بالقرآن وبلاغته وهدايته وأثره في النفس فيفهمه دون معاناة ولكنه بنى برزخه بيده وهجر كتاب الله، هذا الذي حق له أن يبكي وأن يقول: بيني وبين القرآن برزخ!
Post a Comment

ادخل بريدك الالكتروني للإشتراك في هذا الموقع لتستقبل أحدث المواضيع من خلال البريد الالكتروني

تسجيل عضوية جديدة

Reset Password