fbpx
a

Lorem ipsum dolor sit amet, conse ctetur adip elit, pellentesque turpis.

تنمية المحادثة للناطقين بغير العربية

أ. محمد حمدان الرقب

ماجستير في تعليم العربية للناطقين بغيرها

حينما يكتسب الطفلُ لغته الأولى، فإنّه يستمع في البدء لما يقوله الأشخاص المحيطون به، ثمّ يحاولُ أن يقلّدهم ويحاكيهم بصورةٍ توحي بأنه يكتسب اللغة اكتسابًا سلوكيّا، بمعنى أنّ السلوك كوّن لدى هذا الطفلِ عادات لغويّة، أصبح يردّدها آليّا من غير الحاجة إلى الإبداع، غيرَ أنّ التجاربَ أثبتت أنّ الطفلَ في بدايات مرحلة اكتساب اللغة ينتجُ جمَلا إبداعية لم يسمعها من قَبْلُ، وهذا يؤكّد في نظري أنّ اللغة هي مزيج من الاستعداد الفطريّ واللغويّ والعادات والمحاكاة والعقل.

وهذا يُورِد سؤالا مهمّا في هذا الباب، وهو إذا كانت لغة الطفل الأولى المكتسبة بفعل الاستماع أوّلا، فهل ينطبق هذا الفعل على الناطق بلغةٍ أجنبيّة؟

مِنْ هنا كانت للجانب السمعي الشفهيّ أهمّيةٌ كبرى في تعليم اللغات، وبخاصّة تعليم اللغة العربيّة للناطقين بغيرها، فقدْ اتّفق كثيرٌ من الباحثين على أنّ المهارات اللغوية الأربع المراد تدريسها داخل الفصول الدراسيّة إلى نسبٍ مئوية محدّدة، فزمن الحصّة الدراسية في المستوى المبتدئ مثلًا ينقسم إلى: مهارة الاستماع 40% والتحدّث 40% والقراءة 10% والكتابة 10%، وهذا يعني مزيدًا من الحرص على تنمية مهارة الاستماع والتحدث لدى الطلبة، وهذا يعني أيضًا أنّ اللغة في أصلها كلامٌ متداولٌ يستعمله جماعة من النّاس بقصد تحقيق مقاصدَ وفوائد ووظائف اتّصالية محدّدة.

وقد كانت لديّ تجربة فريدة في تعليم اللغة العربيّة للناطقين بغيرها، رأيت أنْ أتبنّى في غالبِ فترات البرنامج المضطلع به أن أبدأ التدريس بمهارة المحادثة، لعدّة أسبابٍ، لعلّ أهمَّها أنّ بعضَ الأصوات العربيّة كانت جديدة على هؤلاء الطلاب الأطفال، مثل حرف الحاء والعين والضاد، فبتكرار جملٍ في محادثات يومية تتضمن هذه الأحرف وغيرها من الأحرف؛ تعوّدت أسماع هؤلاء الطلاب عليها، وقد أفدتُ من كتابِ (العربية للحياة: الكتاب الأوّل) لناصف عبد العزيز ومحيي الدين صالح الصادر عن جامعة الملك سعود، مع بعض التطوير والتحديث وتطويع المحادثات حسب ما يقتضيه الأمر، وقد اهتممتُ بالمحادثات اليومية الأكثر دوَرانا، فخصصت لكلّ حصة دراسية محادثة يومية بسيطة، مثل تحيات الصباح والسؤال عن الحال.

ثمّ تتطوّر طبيعة المحادثات اليومية من التحية والسؤال عن الحال، إلى التعريف بالنفس، فيبدأ المعلم الدرس بالمحادثة أوّلا مع أحد الطلاب، ويشير بإشارة التحية والسلام، حتى يدرك الطالب عمّ يتكلم المعلّم، ثم يشير المعلم إلى نفسه بقوله: أنا اسمي محمد، وأنت؟

بتكرار هذه المحادثات وإعادتها عند بدء كلّ درس، تصبح سهلة يمارسها الطلاب بتلقائية ويُسْرٍ.

فإذا أتقن الطلاب هذه المهارة بهذه الصورة، أمكن المعلم أن يطوّر من أساليب المحادثة، وإدخال جُمل بسيطة، تتضمّن مهارات متعددة، مثل تعليم السؤال البسيط تكون إجابته مغلقة، مثل: هل أنت بخير؟ ثمّ تتطوّر طبيعة السؤال تكون إجابتها جملة نحوية أكثر تعقيدًا، ثمّ استخدمت أسلوب النفي بما ولا وليس ولم، وهكذا، إلى آخر البرنامج بصورةٍ منظّمة تراعي الفروق الفردية وأنماط التعلّم.

ثمّ يكون الطالب مهيئًا لتعلّم الحروف العربيّة بأصواتها وصوامتها وصوائتها، كلّ ذلك بصورة مندمجة بالمدخل السمعي الشفهيّ القائم على الاستماع والتحدث والتكرار، حتى تكوّن لدى الطالب عاداتٍ لغوية واتجاهات متطوّرة كلّما تعمّق الموضوع.

 

ولا شكّ في أن تعلّم أصوات العربيّة وحروفها لا يكون منفصلا عن المفردة التي ورد فيها الحرف المراد تعليمه، ولا تكون المفردة في معزل عن سياقٍ جمليّ بسيط يساعد الطالب في تبين مفهومها كيلا تشكّل عبئًا عليه، وثمة اتجاه في التدريس يرى أنْ تدرّس الحروف في كلماتٍ هي أسماء أعلام، لأن أسماء الأعلام سهلة على الطالب، وكيلا ينشغل باله بمعنى مفردةٍ لا يعرف معناها فيصيبه الارتباك والتشتت، غير أنّي أرى أنّه من المستحسن أن يختار المعلم في أثناء تدريس الأصوات والحروف العربية مفرداتٍ من بيئة الطالب التي يحتاج إليها، مع تفسيرها وإيضاح معناها بطرقٍ متعددة، مثل إحضارها إلى قاعة الدرس إذا تمكّن المعلم من ذلك، أو إحضار مجسّم لها، أو إبراز صورتها، أو غير ذلك من الأساليب التي تعزز الحصيلة اللغوية لدى الطالب، فيتعلم في الحصة الواحدة ما لا يقلّ عن أربع مفردات جديدة صالحة للاستخدام اليوميّ.

أما تدريس القواعد فأرى أن يقوم في بداية البرنامج على الأنماط اللغويّة من غير التطرق إلى تدريس القاعدة النحوية، فالطالب الناطق بالعربية يدرسُ اللغةَ للحياة كي يستعملها، فهو يدرس اللغة نفسها لا يدرسُ عنها، ثمّ إذا ارتقى الطالب إلى مستوياتٍ أعلى أمكن للمعلم أن يدخل المصطلحات والمفاهيم اللغوية التي تساعد الطالب في تكوين صورة منهجية منظمة عن كيفية عمل اللغة داخل القوالب النحوية، وهي مرحلة متأخرة إلى حدّ ما.

 

ولولا أن المقام يحتّم عليّ أن أوجز لبسطت في هذا الأمر، ولعل لي مقالاتٍ أخرى تبيّن أهمية المدخل السمعي الشفهي وأهميته في تدريس اللغة العربية للناطقين بغيرها.

Post a Comment

ادخل بريدك الالكتروني للإشتراك في هذا الموقع لتستقبل أحدث المواضيع من خلال البريد الالكتروني

تسجيل عضوية جديدة

Reset Password