fbpx
a

Lorem ipsum dolor sit amet, conse ctetur adip elit, pellentesque turpis.

تحديات التعليم عن بُعد في فُصُول تعليم العربية

د. السيد عزت أبو الوفا

أستاذ اللغة العربية المساعد بجامعة العلوم الإنسانية

حمل لنا التعليم عن بُعد شعارًا ديمقراطيًّا قُحًّا، وبشَّر بكفاءةٍ به، تطبيقيًا لا نظريا إلى حدٍّ كبير، وهو “التعليم كالماء والهواء حق لكل إنسان!” وذلك “حين ركز على الوصول المفتوح إلى التعليم والتعلم، وتحرير المتعلمين من قيود الزمان والمكان، وتقديم فرص تعلم مرنة للأفراد ومجموعات المتعلمين((UNESO .2002 جاء هذا النوع من التعليم، وتغيرت أطواره، ومراحله، وسماته منذ بدأ في القرن الثامن عشر، إلى أن وصل إلى بدايات القرن الواحد والعشرين، وحتى صار نوعًا بارزًا من التعليم مستقلًا بقضاياه وإمكاناته ومزياته ومشاكله وتحدياته الجسام، ولما كنا قد تعرضنا آنفا في  غير مرة لمزاياه ، ومشكلاته وطرق علاجها جميعا، فقد عنّ لنا هنا أن نتناول –برقيًّا- جملة التحديات التي تواجه معلمي ومتعلمي العربية، في نظام التعليم- عن بٌعد، وطرائق التغلُّب عليها ، وهي فيما ارتأينا كالتالي:

التحدي الأول: النجاعة في استمرار دافعية التعلم وإبعاد الملل الذي يعتري الطلاب

تأتي أزمة انعدام / انخفاض الدوافع لدى بعض دارسي التعليم عن بُعد حين يعتادون على الأجهزة ويملُّون البرامج بوصفها مشكلة يُــبــئّــِرُ عليها الكثيرون ، ولا تخفى حاجة الدارس للدوافع، الداخلية والخارجية، كي يواصل تعلمه عن بُعد بكفاءة ووعي، ذلك أن افتقاد وجود المعلم ورقابته المسئولة، والتعامل عبر الشاشات والأجهزة الإليكترونية وإتاحتها على الدوام، ربما يقلل أحيانًا هذه الدوافع التي تعتري الإنسان وتجعله رقيب نفسه، وقد تكون صعوبات التعامل مع الأدوات التكنولوجية وبرامجها عاملًا مؤديًّا للإحباط وتثبيط دوافع المتعلم، وداعمة للإحباط والاستسلام، وبخاصة في مراحل التعليم عن بُعد الأولى.

ولعل النجاعة في التغلب على هذا التحدّي تتأتى بوضوح من حرص المعلم الدائم على جذابة عرضه التدريسي عن بُعد في دروس العربية، أي تقديم المعلومات وعرضها، بطرق جاذبة وفاعلة مما يساعد كثيرًا في تنمية مهارات تفكير دُنيا وعُليا لدى الدارسين، ويساعد على الكثير من الابتكار والاكتشاف والتطلع والقراءة وتحقيق كفاءات متنوعة ومفيدة (Johnny Lee. 2019)، ومن فوائد ذلك تحقيق دافعية الطلاب وإشعارهم باستقلالية أكبر ورغبة أعلى في اكتشاف الذات قدراتها. وهو ما يصب بالضرورة في خانة تحسين الإنجاز والإنتاج؛ وذلك بتعزيز المهارات اللغوية من خلال التأثير الإيجابي على مواقف الطلاب تجاه التعلم ومساعدتهم على بناء استراتيجيات التعليم الذاتي وتعزيز ثقتهم بأنفسهم.  

ولا شك أن الدافعية يتولد عنها رغبة في التفاعل والمشاركة، والإفادة من الأجهزة والبرامج والمشاركة والتعاون، وجني ثمار التعزيز الفوري من بعض البرامج المعدّة لذلك” (أبو الوفا، 2020). 

 ويمكننا من أجل بلوغ ذلك السير وفق طريقين، الأول: محو الأمية الرقمية بصفة عامة ومحو ما يتعالق معها من أميات فرعية، تلك التي أشرنا إليها غير مرة في هذا البحث، بما يؤدي في النهاية لصحيح تعامل ونجاعة إنجاز للمتعلم مع استخدام التقانة والبرامج وإدارة وقته، واجتنائه مزايا الشابكة والتكنولوجيا الرقمية التعليمية بصفة خاصة. والثاني: تحقيق التربية الأخلاقية، وبث روح الكفاح والعمل في نفوس الدارسين، وزرع الأهداف النبيلة السامقة في نفوس الطلاب، وحب النجاح وإثبات الذات، وخلق روح المشاركة والإنجاز الفردي، والجماعي، الأمر الذي يجدد فيهم ومنهم دومًا الدافعية والرغبة في التغلب على المشكلات واستمرارية في مواصلة طريق التعلم. (أبو الوفا، 2020). 

التحدي الثاني: القدرة على التعامل مع أنماط المعلمين المختلفة عن بُعد

معلوم أن أنماط المتعلمين وذكاءاتهم متباينة، وبالتالي يصبح أمام معلمي العربية عن بُعد تحدٍ من نوع جديد، وهو القدرة على التعامل مع الكثير من أنماط الشخصيات كذوي الصعوبات الخاصة، أو الأنماط الخجولة أو المثبَّطَة، أو أهل الذكاءات المتنوعة، أو غيرهم، ولعل النجاعة في التعامل مع كل هذه الأنماط والأنواع المختلفة من الطلاب تتأتى من حسن تطبيق استراتيجيات التعلم الفردي-عن بعد- الذي يركز على الطالب، وكذلك تنفيذ عمليات التفريد أو تسريع التعلم للمتفوقين، بما يمكن أن يحقق لأمثالهم تقدمًا ملحوظًا، من دون منع أقرانهم من العمل بالسرعة التي تناسبهم، نفس الحال بالنسبة لأولئك المتفوقين الين يستطيعون اجتياز البرامج التعليمية في أوقات وجيزة متسلحين بتخصيص الوقت وبذل الجهد والشغف الأكبر؛ فمثل هؤلاء يمكنهم تسريع عملية تعلمهم بدرجة أعلى كمًّا وكيفًا. ولمعالجة ذكاءات الطلاب المتعددة، كالذكاء اللغوي، والبصري، والموسيقي، والرياضي، والاجتماعي، …إلخ، فعلى المعلم التنويع في طرائق العرض الإليكترونية بما يتناسب وأنواع ذكاءات طلابه المستهدفين مفيدًا بالضرورة من أدوات تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، ومساعدتهم على توفير الفرص لتنمية مهاراتهم وتعزيزها من خلال استخدام برمجيات مناسبة تحاكي أنواع الذكاءات المتعددة في آن واحد، إضافة الى البرمجيات المتخصصة التي بكل نوع منها.

التحدي الثالث: ممارسة دور المعلمين في تعزيز مهارات المتعلمين الشخصية

تحتاج المهارات الشّخصية للطُلاب داخل الفصول الافتراضية – وحتى التقليدية-كمهارة إدارة الوقت، و مهارة التّواصل، ومهارة التّعاون، إلى البناء  والتعزيز  وذلك بمنحهم مساحة للمُشاركة والتّعلم، والتّعبير عن الذّات ، ومحاولة تَوفير وقت لهم لممارسة تلك المهارات ، ومساعدتهم في توسل التقانة والأجهزة بما تمنحه من سُهولة وسُرعة في الوصول للمعلومات، والقيام بالمهمات والواجبات إلكترونياً وغيرها، بالإضافة لمُساهمتها في إضافة أدوار قيادية مثل تِقنيات العُروض التّقديمية، والتي تُساهم في رَفد التّعلم التّفاعُلي، ومَنح الثّقة بالنّفس للمُتعلم، وتنمية روح القيادة لديه. Promethean, 2016)).

التحدي الرابع: إدارة الفصل عن بُعد تقنيًا وأكاديميا وتربويا

يبدو الأمر صعبًا نوعًا ما إذا ما أردنا قياس قدرة المعلم على التحكم في فصله عن بعد، وإن جاز ذلك بوسائل تقنية وبرامج خاصة، ذلك أن مكوث الطالب على جهازه الرقمي عرضة للتشتت والإشعارات وإغراءات اللعب، حيث يتحرك الطلاب ذهابًا وإيابًا بين “العمل” الرقمي، ويغيبون عن المعلم لحين العودة إليه لمزيد من التوضيح أو التعزيز أو التغذية الراجعة الموقوتة، بينما المساحة التي يشغلها الطالب في الفصل العادي مساحة ثابتة يمكن التحكم فيها بدرجة أكبر بمراقبة الطالب. وهو تحد يجب على المعلم النابه التفطُّن إليه والتخطيط الذكي بالوسائل الشائقة المحفزة لدوام الارتباط مع الطالب عن بعد؛ ولذا فمن الجدير بالقول إن مما يميز فصل التعليم عن بُعد أنه أكثر صعوبة بالنسبة لبعض الطلاب / المعلمين، وأقل بالنسبة للآخرين.

كذلك فإنه مما يميز الفصول الدراسية عن بُعد أنها تتمتع بإمكانية إجراء التعليقات والتغذية الراجعة بإمكانية أسرع بكثير من الفصول الدراسية التقليدية، وأحيانًا بشكل فوري من قبل المعلم أو البرنامج التعليمي، وهناك بعض البرامج التعليمية- يمكن تعزيز استعمالها- على أن تخبر الطالب على الفور أن الإجابة كانت صحية أو غير صحيحة من خلال عرض رسوم متحركة حمراء عملاقة، أو تقدم مربع حوار منبثق يقدم تلميحًا، أو اقتراحًا بإعادة التفكير ثانية، أو نحو ذلك، وهو ما يعني أنها تغذية راجعة فورية، وموضوعية، تنطبق على جميع الطلاب بنفس الميزان ، مما يسمح بالتقييم المعياري لا الذاتي. لكن مما يُحسب على التعليم الرقمي من مسالب في هذا الجانب أنه لا يمكنه إعادة إنتاج معرفة المعلم بالتاريخ والمزاج والعاطفة والهدايا العينية أو اللفظية التعزيزية وما إلى ذلك، لكل متعلم على حدة وخصوصية!

أما عن سير العمل داخل الفصل ففي الفصل الدراسي التقليدي، يعطي المعلم مهمة، ويكمل الطلاب المهمة ويعودون إلى العمل للمعلم، وفي بعض الأحيان، يحدث التعاون بين الطلاب، كما يمكن للمعلمين أيضًا إعادة العمل للطالب مع ملاحظات التعلم وتعزيزاته وتغذيته الراجعة، ثم يطلبون من الطالب إعادة التقديم. في أفضل الأحوال، بينما في الفصل الدراسي الرقمي، يمكن أن يكون سير العمل ثنائيًا بالمثل – من الطالب إلى البرنامج أو الجهاز التقني، أو يرسل الطالب مهمة مقال عبر Google Drive إلى مدرس، أو نحو ذلك،  ومما يميز فصول التعليم عن بُعد في هذا الجانب، وتفتقر إليه بالضرورة الفصول التقليدية، أن الاتصالات فورية في الأول وسريعة، والمعلومات متوفرة على الشابكة وفي مصادرها الإليكترونية المتاحة غالبًا، وهناك احتمالية قائمة لأن يصل المشروع الواحد للآلاف بل الملايين من الناس عبر نشره والتفاعل معه سحابيًّا في وقت قصير.

ويمكن علاج تحديات إدارة الفصل الدراسي التي قد تنجم عن مشاكل فنية من خلال فصول دراسية مجهزة تجهيزًا جيدًا تقنيًا. ويمكن للأقسام تقديم أنشطة تدريبية لمدرسي اللغة للتغلب على المشكلات الفنية البسيطة غير المتوقعة. واختيار أدوات جيدة التصميم وذات كفاءة تربوية على الويب مثيرة للاهتمام يمكن أن تؤدي واجهات المتعلمين إلى مدى انتباه أطول. علاوة على ذلك، القيام بمهمات تعاونية يمكن أن تعزز أنشطة التعلم من خلال أدوات الوسائط المتعددة المبتكرة وسهلة الاستخدام التعاون بين المتعلمين Erkan Yüce.2019)).

التحدي الخامس: القدرة على ردم الفجوة الرقمية بين الأفراد

ونعني بها الفجوة الرقمية بين المعلمين أو الطلاب الذين لديهم إمكانات تكنولوجية ورقمية عالية وبين أندادهم الذين يفتقرون إليها جزئيًّا أو كُلِّيًا، تلك  الفجوة الرقمية التي “لا تتميز فقط بالوصول المادي إلى أجهزة الكمبيوتر والاتصال ولكن أيضًا بالوصول إلى الموارد الإضافية التي تسمح للناس باستخدام التكنولوجيا بشكل جيد” (2003 Warschauer,)،فقد تكون الفجوة الرقمية بسبب تفاوت القدرة المالية والمستوى الاجتماعي والطبقي للأفراد المتعلمين (Global, IGI, 2017)، ولعل بعضهم غير قادر على توفير الإنترنت ذي السرعة المناسبة أو حتى غير قادر على توفيره بالكلية!!  وهو ما يؤكد صحة ما ذهب إليه “ماكس فيبر” من أن “الفجوة الرقمية” تحدث بسبب قدرة أحدهم على الوصول إلى تكنولوجيا المعلومات والاتصالات بحيث يمكنه تحقيق التفاعل وإنتاج المعلومات أو إنشاء منتج ما، وآخر لا يمكنه المشاركة في عمليات التعلم والتعاون والإنتاج” Ragnedda, Massimo; Muschert, Glenn W. 2013).). وكما يقول مايك” عندما يتم النظر في إمكانية الوصول إلى إجمالي عدد السكان، يمكن القول إن قضايا عدم المساواة في الوصول إلى التكنولوجيا والانترنت، هي تثبيط لكل من معلمي اللغة والطلاب في البيئات التعليمية (مايك، 1996). ولعلنا في بيئاتنا العربية تحديدًا نلمس هذا بجلاء، والأمر لا يحتاج لمزيد من الشرح والتفصيل!!

ولا شك أنه تحدٍّ كبير  دونه قدرات الطلاب، والمعلمين، وحتى المؤسسات

التعليمية على الأغلب، والتصدي له في الفصل الافتراضي عن بُعد يبدأ من تقبُّل وجود هذه المشكلة بداءةً، ومن ثم مراعاة ذلك في إسناد المهمات نوعياتها، ويجب على المعلم النظر في عدم الكفاءة التكنولوجية للمتعلمين بعضهم، وقبول مستويات قدراتهم المختلفة؛ وأن يكون على استعداد للسماح للمتعلمين بالاختيار مع أهداف الأداء المتوقعة بالنظر إلى أن ذلك يؤدي إلى نتائج التعلم المناسبة، وهنا أيضًا يظهر دور المتعلم غير الرقمي ومسئوليته تُجاه تعلمه، إذ يجب عليه طرح الأسئلة الضافية حتى يصل لما يريد، والبحث عن معلومات إضافية من مصادر موثوقة، وإعمال الفكر والكدّ، والتفاعل مع المتعلمين الآخرين في الخطاب الأكاديمي المتعلق بأهداف  وطرائق تنفيذ المهمة  الموكولة (Michael Higley, 2014).

اقرأ المزيد

Post a Comment

ادخل بريدك الالكتروني للإشتراك في هذا الموقع لتستقبل أحدث المواضيع من خلال البريد الالكتروني

تسجيل عضوية جديدة

Reset Password