fbpx
a

Lorem ipsum dolor sit amet, conse ctetur adip elit, pellentesque turpis.

تدريس الثقافة العربية الإسلامية للطلاب

د. السيد أبو الوفا

أستاذ اللغة العربية المساعد بجامعة العلوم الإنسانية

حريٌّ أنه بعد الإسلام توسع مفهوم الثقافة العربيّة ليشمل كلمة الإسلام، ولم يعد غريبا أن توسم الثقافة العربية منذ حينئذٍ “بالثقافة العربية الإسلامية”، فصارت نتاج مكونين رئيسيين: اللغة العربية والإسلام، وصار يُنظر إليها بوصفها مجموعة المعارف والمعلومات النظرية، والخبرات العملية المستمدة من القرآن الكريم والسنة النبوية، التي يكتسبها الإنسان، ويحدد على ضوئها طريقة تفكيره، ومنهج سلوكه في الحياة. وهو ما يعني أنها قد انبنت على الدين ومنحت قوتها وسموها منه، فمنحها “قوة الأساس، وخلود المبدأ، وثبات العقيدة، وسعة النظرة، وشمول الجوانب، وتكامل الأبعاد، وسمو الغاية، واتزان الحركة ومرونتها”، وهذه جميعًا هي المقومات والأسس التي قامت عليها الثقافة الإسلامية حصرًا مما أهَّلَهَا لكِي تتزيَّا بالخصوبة والثراء والغنى والانفتاح على الثقافات الأخرى بلا جمود أو تعصّب.

وفيما يخص تعليم العربية يأتي السؤال البدهي هل ثمة علاقة للثقافة بتعليم اللغة للناطقين بغيرها؟ وللإجابة عن هذا التساؤل تجدر الإشارة إلى أنه أصبح من المسلَّم به النظر إلى اللغة بوصفها نظامًا واسعًا معقدا يشمل الأنظمة السلوكية والإشارية المرتبطة بحياة الأفراد الثقافية والاجتماعية والاقتصادية والسياسة داخل المجتمع؛ وبذلك شمل تعريف اللغة ما يقف خلف الأداء اللغوي ويعمل على إنجازه، وعلى رأسه الموقف التواصلي والسياق الاجتماعي والثقافي الذي تُعلم فيه اللغة، من إشارات وسلوكات ومعتقدات، وعادات وتقاليد …. إلخ.  ومن هنا صارت اللغة محاطة بشروط ثقافية خاصة تحكمها أعراف كل مجتمع وتقاليده.

 لذا نجد الجانب الثقافي تبوَّأ مكانته المائزة في تعلُّم وتعليم اللغات الأجنبية، فلم نعد نستطيع بحال تجريد اللغة لدراستها وحدها بمعزل عن ثقافتها، وإن فعلنا فستتحول اللغة إلى هياكل ومفردات خاوية لا روح فيها ولا حياة، الأمر الذي جعل الكثيرين يوحِّدون في التعريف بين اللغة والثقافة. وصار فهم ثقافة مجتمع ما هو مفتاحُهُ الأولُ فهمُ لُغَتِهِ، ومن هنا ذهب الكثيرون إلى أن تعلم اللغة الهدف وفهمها مرهون بفهم أسيقتها الثقافية والاجتماعية وليس اللغوية فحسب. ومن ثم ظهرت الحاجة إلى توسيع مفهوم الكفاية ليشمل الكفاية الثَّقافّية وليس اللغوية فحسب.   ولئن كانت الكفاية الثقافية تعرف بأنها “المعرفةُ بثقافةٍ ما والقُدرَةُ على السلوكِ وفقا لِسلوكِ أعضائها” فإن ذلك يعني القُدرة على التَّصرُّف المُناسِب للأوضاع الثَّقافيَّة والاجتماعية المُختلِفة في مجتمع ما دون الوقع في خطأٍ أو محظور”. كأن يجيد التصرف/ القول في موقف ذي سياق ثقافي ما: (العبارات الملائمة للآخر ومواقفها__اللباس المناسب في الموقف المناسب__ التعامل مع الطعام__ كيفية العزاء وتوقيته__وما يقال في مواقف العزاء والتهاني وغيرها __الوقوف للضيف القادم__الابتسام في وجوه الآخرين__احترام عادات ومقدسات أهل الثقافة الهدف__التعامل مع المرأة……..إلخ).

وبالضرورة لن يحمي مُتَحدِّثَ اللغة من الوقوع في مثل هذا إلا بتنمية رصيده الثقافي وإتقان مهارات التواصل الثقافي، بل وتوسيع دائرة أحاسيسه وتصوراته ورؤيته وتقبله للثقافات الأخرى التي يتعامل معها -في خطوطها العريضة على الأقل أقصد عمومياتها، وكذا تفهمه لها من دون الذوبان أو الوقوع في خطر الاستلاب بالضرورة.  وذلك وفق جملة من الأسس والمبادئ الثقافية الاجتماعية الثابتة في تعليم العربية للناطقين  لعل منها: أن يعي المعلم أن إتقان مهارات اللغة مكافئٌ تمامًا لإتقان ثقافتها، وحتمية استيعاب الثقافة الهدف وامتصاصها أمر لا مفر منه، وأن التواصل والتفاعل الناجح ما هو إلا نتاج مجموع العادات الثقافية ومهارات لغوية، وأن العادات الثقافية تشبه إلى حد كبير المهارات اللغوية، وإتقان كليهما معًا يؤدي بصورة كبيرة إلى إنجاح التواصل والتفاعل والتعامل مع الدارسين. ووجوب مراعاة مبدأ التدرج كمًّا ونوعا في تعليم الثقافة، وعدم التعصب لثقافة ما، أو النظر لأخرى نظرة فوقية استعلائية ، والحذر من الوقوع في فخاخ المقارنات بين مظاهر الثقافات المختلفة فإن ذلك مدعاة لإغارة الصدور والتنفير، وأخيرا يجب مراعاة دوافع الدارسين والتفطن لدوافعهم واتجاهاتهم لانتقاء ما يتناسب مع ذلك من جوانب الثقافة الهدف؛ لأن مراعاة تلك الدوافع لا شك  يُقصِّر طريق الإجادة والإتقان في تعلم العربية وثقافتها، ويزيد من التركيز نحو بلوغ الغاية من وراء تعلم اللغة وهو التواصل الجيد مع أهلها ومتحدثيها على حدٍّ سواء.

أمَّا لماذا نهتم بدوافع وأغراض متعلمي العربية في هذا المجال فلأن نوعية الثقافة نفسها المقدمة لهؤلاء الطلاب ستختلف ولا شك بحسب تلك الدوافع، فمثلًا نوعية الثقافة المقدمة لدارسي العربية لغرض ديني يجب أن تكون أنماطها ذات صلة وثيقة بالدين، كالألفاظ والصفات التي تحمل دلالات دينية، ومظاهر تدين الناس في الملبس والمأكل والمشرب، وأثر ذلك على تصرفاتهم وكل حياتهم، وأثر الدين على المعاملات فيما بينهم، وكيف تصوراتهم عن الله والكون  والحياة من الناحية الدينية، وبعض ما يعتقدون إزاء الثواب والعقاب والجنة والنار، وغير ذلك. ونوعية الثقافة المقدمة لدارسي العربية لغرض سياسي لا ريب ستكون وثيقة الصلة بالجانب السياسي وبالضرورة بمظاهرها الثقافية في العالم العربي سلوكا وأقوالًا ومصطلحات ومظاهر وطرائق للتكلم والتعامل، وسيعرض له البرنامج مراتب الهرم السياسي في العالم العربي، وكيفية تسيير السياسيون العرب للسياسة ونظرتهم لها، واعتقادهم في جدوى الالتزام بقوانينها أو التلاعب بها، وما إلى ذلك. أما الراغب في العربية لأغراض تجارية أو سياحي أو صحية…إلخ، فإن الدارس لغرض تجاري يحتاج التركيز على الجانب الثقافي الخاص بالتجارة والتجار، بيعا وشراء، سلوكًا وأخلاقا، زيًّا وطقوسًا، تساهلا واحترازًا مع أقرانه التجار ورجال الأعمال ممن يتكلمون اللغة ويتخذونها وسيلتهم للتعامل وإنجاز الصفقات… وهكذا. وكذا في بقية الأغراض.

ومما ينبغي الإشارة إليه في مقامنا هذا أن للبيئة التي تُتَدارس فيها اللغة دورًا لا يمكن تجاوزه في اكتناه ومن ثم استخدام ألفاظٍ وتعبيراتٍ وسلوكات وظيفية معينة تتناسب وتتعالق بصورة أو أخرى مع تلك وخصائص تلك البيئة التي أفرزت الثقافة الخاصة بها، وهو ما يعني أن اللغة تسير جنبًا إلى جنب مع ثقافتها، ومن العسير فهم اللغة الهدف واستخدامُها من دون فهم ما يرتبط بها من مفاهيم ثقافية تختلف من مجتمع لآخر. ونقدم هنا (مثالًا تطبيقيًّا) من واقع الميدان الذي نعمل فيه. ففي (قيرغيزيا) حيث يكثر البرد وتزداد معاناة الناس من الثلوج حين أراد المتحدث أن يصور وجه محبوبته فإذا به، يقول: وجهكِ كشمس يوم صائفٍ جميل.  ولئن كان رائقًا له أن يقول بحسب ظروفه البيئية التي تتطلع وتشتاق لرؤية الشمس لغيابها الكثير فإنه من البداهة أن نقول إن هذا الأسلوب ووفق هذا السياق لا يروق للعربي استخدامه في مثل هذا الموقف ولذا فهو يعدل عنه إلى آخر أكثر ملائمة ولياقة. وفي بيئتنا العربية حيث يكثر الحر بصفة عامة تجدنا مولعين بالبرد ومفضلين له راغبين في وجوده، فنكثر من استخدامه في غير موضع فنقول: أثلجت صدري بما تقول…. اللهم اغسله بماء وثلج وبرد.

 ولئن كان هذا الذي سبق يدخل في نطاق ما يليق وما لا يليق، فإن الأمر ذاته قد يتعدى دائرة اللياقة ليدخل في نطاق المحظور اللغوي الثقافي الذي يجب اجتنابه؛ ذلك أن لكل ثقافة محظورها الخاص قولًا أو فعلًا مما قد يسبب  استخدامه حرجًا ما في بيئة معينة أو يعرض صاحبه للمؤاخذة أو نحو ذلك؛ لذا وجب على متعلم اللغة الهدف  أن يتعرف إلى التعبيرات والسلوكات المرفوضة اجتماعيا، و إتقان المقبولة لغويا، بهدف الابتعاد عما يطلق عليه الصدمات الثقافية، واستثمار ذلك في التواصل والتعامل مع ثقافة أهل اللغة الهدف وتحقيق التعايش والتفاعل الجيد معهم. ويحسن هنا إلقاء الضوء البرقي على بعض الأمثلة على الألفاظ المحظورة في الثقافة العربية، وهي كثيرة وذات حقول دلالية واسعة ومن ذلك “ألفاظ السب واللعن__ وألفاظ الجنس والعلاقات الجنسية__ وألفاظ المراحيض__ وألفاظ التفرقة العنصرية__ والألفاظ المسيئة للنساء_ _وألفاظ الإساءة لجنسية معينة__ وألفاظ المرض والعاهات__ وألفاظ سياسية قد تكون محظورة في مكان ما……إلخ”. ولنتعرض بشيء أكثر تفصيلًا لإحدى هذه الألفاظ في (مثال تطبيقي)، فهاك لفظة (الزنا) من حقل دلالة الألفاظ الدينية، وهي لفظة صحيحة لغويا، لها دلالة وشحنة معرفية تُستدعى إلى الذهن حين تذكر في سياق ثقافي ولغوي معين، وذكرها بله تناولها بالشرح في الفصل مسببٌ لا شك لحرج للمعلم والمتعلم غير العربي خاصة، ولا شك تحتاج عند مقاربتها بالشرح أو التوضيح لوعي وحصافة وحسن علاقة مع الطلاب فضلًا عن مراعاة خلفياتهم الثقافية والمعرفية ومستواهم اللغوي المناسب. ومثل ذلك لفظ “الإرهاب” بمفهومه الإسلامي الرشيد ومفهومه الذائع من القتل والتخويف والتدمير.

سبيل المعلم لإجادة تعليم الثقافة العربية جنبًا إلى جنب مع العربية للناطقين بغيرها.

قبل البدء في تناول موضوعات أو إشارات أو مفاهيم أو قضايا ثقافية عربية إسلامية بقصد إيصالها للناطقين بغير العربية وجب على معلم العربية تمثٌّل القدوة الأخلاقية والعلمية بوصفه وريثًا شرعيًا للأنبياء والمرسلين، وحاملًا أمينا للثقافة العربية الإسلامية الراشدة. كما أن عليه الإلمام الجدِّي بملامح وتفصيلات الثقافة العربية الإسلامية جنبًا إلى جنب مع تحقيق الكفاءات اللازمة لتدريس العربية. وكذا الإلمام بالخطوط العامة لثقافة الدارسين معظمهم ما أمكنه ذلك، منعاً للوقوع في الخطأ أو الحرج أو الإضرار النفسي بجملة الدارسين. وعليه أن يعي درجة العلاقة الكائنة بين الثقافة وبين الكفاءة اللغوية المنشود بلوغها، فهما –إن صح التعبير- وجهان لعملة واحدة. كما أن عليه بناء نفسه وتكوينها تكوينا علميا ثقافيا رشيدًا. وأن يحترز بشدة من التورط في الدعاية إلى مذهب فكري أو ديني أو سياسي عبر تزكية ثقافته ومعتقداته ونشرها من وراء ستار تعليم اللغة.  ومن جملة واجباته فهم ودراسة الصور النمطية للثقافة العربية في عيون الآخر وبخاصة ذات التصور السلبي منها، فهما واعيا قادرا على النقض والنقد والجدال بالحسنى والاستبيان والتوضيح والتحليل العلمي المدروس. وكذلك عدم الوقوع في فخ المقارنات التفاضلية بين أنواع الثقافات وإصدار الأحكام السلبية حيال مظاهر أيٍّ منها. وبالضرورة الاستعداد النفسي للقيام بدور المرشد الحياتي وليس التعليمي فحسب في حياة الدارس الأعجمي.

أساليب تدريس الثقافة العربية الإسلامية

تُدرس الثقافة بوصفها مهارة أساسًا في تعليم العربية للناطقين بغيرها وفق جملة من الطرائق والأساليب، ومن ذلك كما تمت الإشارة قبْلًا أسلوب القدوة وهو أسلوب خطير التأثير، حيث يكون فيه المعلم غالبًا هو القدوة، والمتعلمون هم المُقْتَدُون الذين يتعرفون إلى عموميات الثقافة وملامحها الأساس من سلوك وتصرفات وأقوال معلمهم حامل تلك الثقافة أو المتعرض لتعليمها على أقل تقدير. وهناك أسلوب المعايشة والاختلاط، وفيه تخدل أساليب واستراتيجيات تدريسية تطبيقية ميدانية مؤثرة كالزيارات الميدانية، واستراتيجية الشريك اللغوي، وغير ذلك. وأيضا يوجد من جملة الأساليب أسلوب عقد المقارنات ومنه أسلوب البحث والتحري عن الظاهرة الثقافية قيد الدراسة، وكذا استراتيجيات وطرق استغلال المناسبات المختلفة نظريًا وعمليًا تلك التي تُعرض فيها ألوان ثقافية عديدة للكثير من البلدان. وهناك استراتيجيات تنشيطية متعددة كلعب الأدوار، وأسلوب المحاضرات، وتوجيه الطلاب الدارسين إلى نحو قراءات تتعلق بإبراز مظاهر الثقافة العربية الإسلامية (الروايات نموذجًا).  وهذه الأساليب الأخيرة تكون في المستويات المتقدمة حيث يصبح تدريس موضوعات الثقافة أكثر وضوحًا وقبولًا ومنطقيةً تحت عناوينها الأساسية لمناسبتها للمتقدمين القادرين على القراءة والتوسع والاطلاع، وإجراء الأبحاث القصيرة حول موضوع ما من مواضيع الثقافة، أو حتى عقد المقارنات بين المظاهر المتشابهة أو المختلفة في تلك الثقافات.

مثال تطبيقي لتدريس الجانب الثقافي في نص عربي (المستوى A1 ( (من كتابنا شمس العربية)

دَرْسُ: العَائِلَةُ وَالوَقْتُ

وَتَسْعَى أُمِّي فِي رِعَايَةِ الأُسْرَةِ، فَتَقُومُ بِالأَعْمَالِ المَنْزِلِيَّةِ خَيْرَ قِيَامٍ، وَهِيَ تَحْتَرِمُ أَبِي وَتُقَدِّرُهُ، وَتُسَاعِدُنَا فِي المُذَاكَرَةِ وَأَعْمَالِ الوَاجِبِ، وَدَائِمًا تَسْعَى لِخِدْمَتِنَا فِي أَوْقَاتِ الصِّحَّةِ وَالمَرَضِ، وَالعُسْرِ وَاليُسْرِ. وَتَحْرِصُ عَائِلَتِي كُلُّهَا عَلَى الصَّلَاةِ المَوْقُوتَةِ فِي جَمَاعَةٍ.  فَقَبْلَ الأَذَانِ نَتَوَضَّأُ جَمِيعًا وَنَسْتَعِدُّ لِلصَّلَاةِ.  ويُؤَدِّي أَبِي زَكَاةَ مَالِهِ بِاِنْتِظَامٍ. وَفِي رَمَضَانَ يَصُومُ كُلُّ أَفْرَادِ العَائِلَةِ إلَّا جَدِّي لِأَنَّهُ مَرِيضٌ.   تَعَلَّمْتُ أَنَا وَإِخْوَتِي مُنْذُ الصِّغَرِ أَنْ نَحْرِصَ عَلَى وَقْتِ فَرَاغِنَا وَنَسْتَفِيدَ مِنْهُ، فَالوَقْتُ كَالسَّيْفِ إِنْ لَمْ تَقْطَعْهُ قَطَعَكَ! وَتَعَلَّمْنَا أَيْضًا كَيْفِيةَ الصَّلَاةِ، وَقِرَاءَةَ مَا يَتَيَسَّرُ لَنَا مِنْ القُرْآنِ كُلَّ يَوْمٍ.  وتَحْرِصُ عَائِلَتي عَلَى زِيَارَةِ الأَقَارِبِ وَالتَّوَاصُلِ مَعَهُمْ، وتُسَاعِدُ المُحْتَاجَ، وَتَتَصَدَّقُ عَلَى الفَقِيرِ، وتُحْسِنُ إِلَى الجِيرَانِ.

(الشرح والتناول وفق نموذج أحمد الرهبان)

بالنظر إلى هذا النص القصير بهدف اكتناه محتواه الثقافي، يمكن للمعلم ملاحظة ما يسمى بالإشارات اللغوية: ومنها تعبيرات ثابتة يمكن تناولها بوصفها مفردات لغوية تحمل شحنات ثقافية ودلالية عند أهل اللغة الهدف ومنها: الصِّحَّةُ__ والمَرَضُ_ والصَّلَاة_ ورَمَضَانَ__ والوضوء__والمحتاج…  إلخ. كما أن هناك أيضا ما يعرف بالتعبيرات الاصطلاحية: كزكاة المال__ وصوم رمضان__ وزيارة الأقارب__ والعُسْرِ واليُسْرُ __ والصَّلَاةُ المَوْقُوتَةُ. وفي النص كذلك بعض من الحِكَمِ وَالأَمْثَالِ: كالوقت كالسيف…!   كما أن في النص ما يطلق عليه إشارات لغوية ثقافية فيما وراء اللغة، وهي هنا جملة من الأعراف والأصول الاجتماعية السائدة في البيئة العربية التي يمكن استثمارها بوصفها ملامح ثقافية عربية: كالنظر إلى الزوج بوصفه هو المسئول الأول عن الأسرة، واحترام الأم لزوجها، وزيارة الأقارب والتواصل مع الجيران، وغير ذلك. كما يمكن للمعلم الحصيف-من خلال النص-استكناه بعض القضايا الثقافية الخاصة بالبيئة العربية عن طريق الإيماءة الخفيفة والإشارة البرقية في شرحه إلى قضية المرأة ودورها في إدارة البيت، وأسلوب حياة الأسرة العربية، ودور المرأة في رعاية أفراد الأسرة، وحرص الأسرة جميعًا على الصلاة، وبر الأهل وزيارة الأقارب، صوم رمضان وإباحة الفطر للمريض، وغير ذلك. ولا يجب أن يفوت المعلم الإفادة من دوره التربوي في إلقاء الضوء على بعض الظواهر الثقافية والتربوية والتوجيه نحو الجوانب الإيجابية في هذه المظاهر حين تعرضه لأسئلة الفهم القرائي من مثل: ما رأيك في سلوك الأم مع أبنائها؟ وما المشترك من الأفعال بين هذه الأسرة وأسرتك أنت؟ وكذلك سؤال: هل يجوز للجد المريض عدم الصوم؟ ولم؟ وأخيرًا يمكن للمعلم تفعيل استراتيجية المقارنة في إبراز جوانب التشابه والاختلاف بين ما في النص الهدف قيد الدرس من مظاهر ثقافية وبين ثقافة الطالب الأجنبية.  وذلك عبر بضع أسئلة إبداعية من قبيل: قارن بين ما تفعله هذه الأم العربية وبين ما تفعله الأم (……) في الأسرة؟ أو قارن بين ما تقوم به هذه الأسرة تجاه الجيران والأقارب وبين ما تقوم به أسرتك أنت؟ أو ما أوجه التشابه والاختلاف بين ما تقوم به هذه الأسرة العربية وما تقوم به عائلتك للمحافظة على الوقت؟ …إلخ.  ولا شك أن نمط الإجابات وكيفيتها سيكون مؤشرًا جيدًا على استيعاب هؤلاء الطلاب للمحتوى الثقافي المدروس، وعلى نجاح المعلم في استكناه المظاهر الثقافية الموجودة في النص من دون تسميتها بالضرورة، وكذا في نجاحه في لإيصالها لطلابه عبر استراتيجياتها المناسبة.

المراجع

 1. الأسس المعجمية والثقافية لتعليم العربية للناطقين بغيرها –د. رشدي طعيمة-جامعة أم القرى-وحدة البحوث والمناهج-سلسلة دراسات في تعليم العربية د. ط-1982م.

 2.  البعد الثقافي في تعليم العربية لغة ثانية من وجهة نظر لسانية تداولية-مجلة اللسان العربية-مركز الملك عبد الله بن عبد العزيز-ع2-ذو القعدة-1426ه-2016م.

 3.  الثقافة الإسلامية في مقررات تعليم العربية لغة ثانية-د. عيسى برهومة.

 https://eis.hu.edu.jo/deanshipfiles/pub103336387

 4.  الثقافة المجتمعية في مناهج تعليم العربية للناطقين بلغات أخرى-مجلة الأثر=ع 30-2018م.

 5.  تدريس الثقافة: النظرية والتطبيق، دراسة ضمن كتاب:”الدليل التدريبي في تدريس مهارات اللغة العربية وعناصرها للناطقين بغيره”-د. إسلام يسري –مركز الملك عبد الله بن عبد العزيز-ط1-2017م.

 6.  المحظور من اللغة ثقافيا في كتب تعليم العربية للناطقين بغيرها (دراسة نماذج) عبد الباسط ثماينية.

https://www.asjp.cerist.dz/en/article/39525

 7.  مُكوِّناتُ الكِفاية الثقافيّة في تعليم اللُّغة العَربية للنَّاطقين بغيره “التَّدريسُ وآلياتُ التَّقييم” – دراسة ضمن كتاب “أبحاث مؤتمر إسطنبول الدولي الثاني-إضاءات ومعالم إعداد: أحمد الرهبان – مركز أثر لدراسات العربية للناطقين بغيرها –ط1-2016م.

توظيف الأحاديث النبوية والآيات القرآنية لتنمية الثروة اللغوية للطلاب غير الناطقين بالعربية

اقرأ المزيد

Post a Comment

ادخل بريدك الالكتروني للإشتراك في هذا الموقع لتستقبل أحدث المواضيع من خلال البريد الالكتروني

تسجيل عضوية جديدة

Reset Password