fbpx
a

Lorem ipsum dolor sit amet, conse ctetur adip elit, pellentesque turpis.

تعليم الثقافة بين التباهي والتماهي

جميلة أبو مغنم

الجامعة الأردنية


يقبل المتعلمون من كل بقاع الأرض على تعلم اللغة العربية، وقد رسموا لأنفسهم أهدافا وغايات متنوعة شكلت دافعا وحافزا للتعلم والدرس، ولا شك أن تعلم اللغات واكتسابها يتطلب اتقان اللغة في مهارتها اللغوية، والتعرف إلى ثقافة اللغة وأهلها، ذلك أنّ الارتباط بين اللغة والثقافة لا ينفك، وهو ارتباط وثيق محكم، فاللغة والثقافة وجهان لعملة واحدة، إذ ترسم الثقافة هوية المجتمعات وتحدد ملامحها، وهي المضمون والمحتوى الذي تحمله اللغة كلمةً وتركيبًا وجملةً ونصًا، ولا يتمكن المتعلم من استدخال هذا النظام اللغوي على وجهه الصحيح دون التعرف إلى ثقافة حاملي هذه اللغة.
ومن المتعارف عليه بين المشتغلين في ميدان تعليم اللغات أن ما يقدم للمتعلمين من ثقافة يطرد ويتصاعد بما يتناسب مع مستوى المتعلم؛ حيث يشكل المحتوى الثقافي في المستويات الدنيا ما نسبته 25% من المادة اللغوية، وتزيد إلى 50% في المتوسط حتى تصل إلى 75% وأكثر في المتقدم.
والثقافة بما تحمله هذه الكلمة من مبادئ وقيم واتجاهات وسلوكيات وممارسات وعادات وتقاليد تتمثل في كل تفاصيل المجتمع، في المأكل والمشرب واللباس والعمارة والمناسبات الاجتماعية والغناء والرقص، وفي الأحزان والأفراح، كما تتمثل في المنطوق الشعبي من قصص وأمثال وحكم وحكايات وخرافات وغيرها، ومنها ما هو امتداد لثقافة عربية غير إسلامية، ومنها سلوكيات إيجابية أكدها الإسلام وأثاب عليها. ومن المظاهر الثقافية لدى العرب قديما وحديثا: إكرام الضيف، والفروسية، والمروءة، وإطلاق العيارات النارية، وتقبيل يد الكبير، والثأر وجرائم الشرف، والأكل باليد، والجاهات، والقضاء العشائري، والجار للجار، والبنت لابن عمها، والطب الشعبي، وحفلات الزواج لسبع أيام بلياليها، وزيارة القبور، والاحتفالات بالمولود…وغيرها.
وتشكل الثقافة في أبعادها السلوكية والقيمية تحديا لدى المعلم والمتعلم على حد سواء، فهي بالنسبة للمتعلم بيئة لغوية جديدة قد تتفق قليلا وتفترق كثيرا عما عهده في ثقافته، وتشكل أيضا تحديدا أكبر للمعلم، ذلك أنه يقدم ثقافته بإيجابياتها وسلبياتها كما هي المجتمعات الإنسانية، فلكل ثقافة جانب أسود وعادات تمجّها الأذواق وترفضها المعتقدات الفكرية والدينية ولكنها موجودة؛ فتجد معلم اللغة في صراع بين الصورة المشرقة التي يرغب في تقديمها عن لغته وثقافته، وبين واقع المجتمع الذي يرفض في دخيلته بعض السلوكيات ولكنها حاضرة شئنا أم أبينا، ويقف المعلم هنا إما موقف الحامي المدافع عن الثقافة المنكر للسلوكيات الثقافية السلبية وكأنها غير موجودة، أو مبررًا لها كأن ثقافات هؤلاء المتعلمين مثالية لا تخلو من مثل هذه الصراعات والتناقضات، فيقتصر على تقديم ما يتقاطع ويتماهى ويذوب مع الثقافة العالمية، ويغض الطرف عن مظاهر الثقافة الأخرى. علما بأن الكثير من الممارسات الثقافية المجتمعية السلبية والإيجابية يلحظها المتعلم في أثناء تعامله مع أفراد المجتمع واحتكاكه بأبنائه، أو من اطلاعه وقراءاته عن تاريخ الشعب وثقافته.
وليس مطلوبا من المعلم أن يحمل عبء تقبل المتعلمين لثقافته، فكم شخص منا – نحن العرب- أقبل على تعلم اللغات الأجنبية -الإنجليزية مثلا- ولكن لا يتقبل ثقافة الغرب ولا يستسيغها، بل إن معلمي هذه اللغات لا يبذلون جهدا في الترويج لثقافتهم أو السعي لتقبل المتعلمين لها، وهذا يذكرنا بمقولة «قوة اللغة في قوة أهلها» والثقافة بارتباطها الوطيد باللغة تصبح قوية وحاضرة ورائجة من تلقاء نفسها.
وخلاصة القول ينبغي على المعلم والمتعلم أن يحترم كل منهما ثقافة الآخر، ولا يصدر أحكاما قيمية، كما يجب على المعلم أن يحقق الكفاية الثقافية لدى المتعلمين، وأن يصحح التصورات المشوهة حول ثقافتنا نتيجة الصور النمطية أو الحقائق المغلوطة، وذلك من خلال النصوص الأدبية والشعرية والتقارير والأفلام والزيارات الميدانية والانغماس الثقافي وغيرها مما يراه مناسبا.
Post a Comment

ادخل بريدك الالكتروني للإشتراك في هذا الموقع لتستقبل أحدث المواضيع من خلال البريد الالكتروني

تسجيل عضوية جديدة

Reset Password