fbpx
a

Lorem ipsum dolor sit amet, conse ctetur adip elit, pellentesque turpis.

فسيفساء المهارات اللغوية وهندسة التواصل اللغوي في حقل تعليمية اللغة

د. السيد عزت أبو الوفا

أستاذ اللغة العربية المساعد بجامعة العلوم الإنسانية

أُعينُ ذاكرتَك، وربما قاموسَك، بسرعةٍ، وأذكرك بأن (الفُسَيْفِسَاء)  لغةً: هي قِطَعٌ صغارٌ ملوَّنةٌ من الرخام أَو الحصباءِ أَو الخَرَزِ أَو نحوها، يُضَمُّ بعضُها إلى بعض فيكوَّن منها صور ورسوم تزين أَرضَ البيت أو جُدرانَه تُؤَلِّفُ أَشْكَالاً هَنْدَسِيَّةً جَمِيلَةً، من هنا اتخذتُها دالًّا مومئًا بها إلى المهارات الأربعة متحدةً معًا في تناغمية عجيبة مدهشة، لتؤدي دورًا بارعًا في بناء وهندسة التواصلية المنشودة لدارس اللغة الهدف مع أبنائها، أو مع مجيديها ومتحدثيها الأكْفَاء، عبر  اللغة التي هي وسيلة الاتصال وأداته المثلى بين سائر آليات التواصل الأخرى لغوية وغير لغوية.

 ولعل هذا ما يجعل تعلم مهارات اللغات قضية محورية في منظومة تعليمية اللغة الهدف ككل، وتجعل كذلك تناغم واندغام هذه المهارات في وجدان المتعلم وعقله أمرًا ضروريا لتشييد عملية تواصله الاجتماعي والثقافي الجيد مع محيطه، بالتواصل اللغوي من خلال الأربع مهارات الأساسية: الاستماع، والحديث، والقراءة، والكتابة، بوصفها معًا أشكال الاستعمال اللغوي المعروف.

أولًأ: مهارة الاستماع ودورها في  هندسة وبناء التواصل اللغوي:

ولعلنا إذا أردنا النظر إلى مهارة الاستماع يكفينا في هذا المقام أن نستبصر ما في نظرية  ابن خلدون  نحو كيفية تحصيل ملكة اللغة لدى المتعلم[1]، حين نقف على حاسمية أثر السمع في إتمام  هندسة وبناء التواصل مع ناطقي اللغة ممن هم في محيط المتعلم على خير وجه، حيث يتسبب السمع في علو الإحساس بجمالية اللغة لدى المتعلم، ويؤدى إلى دقتها على لسان ، وسلامة منطقها لديه، وهي لعمري مقومات الاتصال القويم في الحياة الاجتماعية الرشيدة لفرد وسط مجتمع  غير مجتمعه- أو حتى مجتمعه.

وعنده، حينما يتحصل المتعلم على اللغة بالحفظ والاستعمال عن طريق استماع، فيكون-السمع- هو دليله الذي أوصله للتواصل مع محيطه بالجري على كلامهم من دون الشذوذ عنهم، أو النفور من أساليبهم، فيمتلك معهم ملكة اللغة، ويصبح فردًا اجتماعيًا بتواصله معهم، وبينهم.

ثانياً: مهارة التحدث ودورها في  هندسة وبناء التواصل اللغوي:

شاءت إرادة الله أن يعتمد الإنسان اللغة ليتم بها تواصله بها مع الآخرين، بحيث يكون الحديث هو لغة الحوار، وتقانة سببية في هندسة التفاهم والمحادثة والتفاعل وسط مجتمعه وبين أقرانه وفي محيطه بشكل عام؛ ، فالتحدث وسيط التواصل اللغوي بين البشر قبل القراءة والكتابة، وفي مجال التعلّم فهو يُعطي الفرصة الملائمة للمتعلم ليبين قدراته، ويعبر عما يريد، وعما يختلج في نفسه من مشاعر وأحاسيس[2].  وماذا يحتاج المتعلم الناشئ في قوم من أشياء أُخر، إذا ما امتلك القدرة على التعبير عما يريد، وارتفع مستوى أداء رسالته واستقبالها بذات اللغة الهدف التي سعى أو يسعى لإجادتها، فأبان قدراته فيها، وعبر عن مشاعره بها، وشعر وأشعر إذا ما استطاع لذلك سبيلًا؟!

ثالثاً: مهارة القراءة ودورها في هندسة وبناء التواصل اللغوي:

القراءة واحدة من أهم سبل بناء وتشييد الرسالة التوصيلية فيما بيننا، ولها إسهام في تطوير وإذكاء مهارات كثيرة، وفي القلب منها مهارة التواصل الاجتماعي والتاريخي والزمكاني في الوسط الذي يعيش فيه المتعلم وذهب المختصون إلى أن للقراءة مكانةً متفردةً بين باقي المهارات اللغوية، وخاصة في مرحلة التأسيس، فعن طريقها تتم عملية المذاكرة والتحصيل الدراسي”[3] حيث أثبتت البحوث العلمية أن هناك ترابطاً كبيراً بين القدرة على القراءة والتقدم الدراسي لدى المتعلمين”[4].

رابعًا: مهارة الكتابة ودورها في هندسة وبناء التواصل اللغوي:

الكتابة مهارة متعلّمة لا مكتسبة، وهي تعد الغاية النهائية من تعليم اللغة، ويهدف المتعلم من ورائها أن يكسب الطلاقة اللغوية التي تعينه على الثبت  الصحيح للغة الهدف،  ومن ثم يعتلي منبر الدقة المعرفية والكتابية، والقدرة على بناء الفقرات وترتيبها وعمقها وطرافتها. ومن ثم يصبح قادرا على بناء وهندسة التواصل اجتماعيا مع الآخرين في بيئته التعليمية والاجتماعية من بعد، وذلك بحسب الموقف وما يحتاج إليه من مهارة؛ لذلك نستطيع القول بإن ممارسة الكتابة بشكل فعال، والاستفادة منها كمهارة لغوية أمر مرتهنٌ بممارسة المهارات الأخرى، فهي وسيلة من وسائل التعلم، وأداة من أدوات الإنسان في الاتصال مع الآخرين والتعبير عن النفس وما يعتمل بها وفيها من مشاعر واحاسيس وطروحات.

فسيفساء المهارات الأربعة و إتمام هندسة التواصل اللغوي والاجتماعي المنشود

ووفاقًا لما سبق، تتعالق المهارات الأربعة وتتشكل في ذات الفرد الكفء بوصفها فسيفساء لُغوية، أي، قطَعٌ صغارٌ ملوَّنةٌ من المفردات  والتراكيب  والألفاظ والتعبيرات، والقواعد، والفهم، وحُسن الاستماع، وفهم المقروء، والكتابة، بحيث يُضَمُّ بعضُها إلى بعض فيكوَّن منها صور ورسوم تهندسُ وتبني وتُشيد في جمالية مدهشة عملية التواصل اللغوية الاجتماعي ولإبداعي للمتعلم وسط البيئة التي يعيش فيها، مع أبناء اللغة، أو ناطقيها الأكفاء. ، وعلى سبيل التفصيل، لكيفية اندغام تلك الفُسيفساء مع بعضها البعض في هندسية لغوية رائقة، فتتمثل العلاقة بين الاستماع والقراءة في أن كليهما يشمل استقبالاً للفكر من الآخرين  والمهارات المكتسبة في الاستماع هي أيضاً أساساً للنجاح في تعلم القراءة؛ لذا يعد إهمال الاستماع سبباً من أسباب ضعف المتعلمين في القراءة وتعد الكلمات الاكثر سهولة في القراءة هي الكلمات التي سمعها المتعلم وتكلم بها من قبل.

وأما عن العلاقة بين مهارة الاستماع ومهارة القراءة بوصفهما صنوي المهارات الاستقبالية فتتضح جلية حين نربط بين المهارتين أداءً ونتيجة، فالاستماع يتركز في تحصيل الأفكار عن طريق الأذن التي تترجم الكلمة المسموعة لتصل إلى معناها، ولذا فإن بعض المربين يرون أن الاستماع في حدِ ذاته نوع من القراءة؛ لأنه وسيلة إلى الفهم وإلى الاتصال اللغوي بين المتكلم والسامع، فشأنه في ذلك شأن القراءة التي تؤدي إلى هذا الفهم. وإذا كانت القراءة الصامتة قراءة بالعين والقراءة الجهرية قراءة بالعين واللسان، فإن الاستماع قراءة بالأذن تصحبها العمليات العقلية العليا التي تتم في كلتا القراءتين الصامتة والجهرية.

  وتتضح العلاقة بين الاستماع والتحدّث في أنهما ينموان ويعملان معاً بالتبادل ويكمل أحدهما الآخر، وأن النمو في أحدهما يعني النمو في الآخر، وبالتدريب يحصل المتعلم على كفاية فيهما، كما أن فرص تعلم الاستماع، توجد في كل مواقف الحديث، فهناك علاقة بينهما يمكن تصورها على أنها علاقة تفاعلية دائبة.

والاستماع الجيد عامل أساسي في القدرة على الكلام، بحيث لا يستطيع المتعلم أن ينطق الكلمات نطقا سليماً إلا إذا استمع إليها جيدا، وتوجد علاقة بين مهارات الاستماع ومهارات الكتابة، لأن اتقان الكتابة يعتمد أساسا على الاستماع الجيد، الذي يمكن المتعلم من التمييز بين الحروف والاصوات ، والمستمع الجيد يستطيع أن يزيد من ثروته اللغوية والفكرية والثقافية، فيزداد تعبيره غنى وثروة ،وعلى الرغم من أن التحدّث فن تعبيري والقراءة فن استقبالي إلا أن هناك علاقة كبيرة بين التحدّث والقراءة، فكل منهما يؤثر في الآخر ويتأثر به، و يؤدي الضعف في التحدّث الى ضعف في القدرة على القراءة ومن ثم على الكتابة.  أما العلاقة بين القراءة والكتابة فعلاقة جد وثيقة، لأن الكتابة تعزز التعرف إلى الكلمة والإحساس بالجملة، وتزيد من ألفة المتعلمين بالكلمات، وكثير من الخبرات في القراءة تتطلب مهارات كتابية ومعرفتها بواسطة القارئ تزيد من فاعلية قراءته، ومن جانب آخر فإن المتعلمين غالباً لا يكتبون كلمات وجملاً لم يتعرفوا إليها من خلال القراءة .

وختامًا، فعلى نحو ما سبق، نظن أن تمثُّل تجمُّع تلك الفسيفساء المهارية وتراصّها في تراتبية بُنيانية مرصوصة، بحيث يشدُّ بعضها بعضًا، بما يؤدي إلى بناء وتشييد وتزيين عملية التواصل الاجتماعي واللغوي بطريقة إبداعية قوية رائقة، ومتى ما تحصل المتكلم على جزئياتها جميعًا، وامتلك مقومات جمعها بعضًا على بعض في كفاءة وحذق لا تُخطئه عين، فحينئذٍ تتحقق له إبداعية التواصل اللغوي والاجتماعي في سهولة وسلاسة .

والله من وراء القصد، وهو الهادي إلى سواء السبيل

[1] – ابن خلدون، عبد الرحمن  أبو زيد ولي الدّين (2004). مقدمة العلاّمة ابن خلدون المسمى ديوان المبتدأ والخبر في تاريخ العرب والبربر ومن عاصرهم من ذوي الشأن الأكبر. بيروت: دار الفكرن ص 596.

[2] – المهارات اللغوية ودورها في التواصل اللغوي _ رافــــد صباح التميمي -بلال إبراهيم يعقوب – العراق-2015 –ص 13

[3] – محمد رشدي خاطر وآخرون: طرق تدريس اللغة العربية، التربية، الدينية في ضوء الاتجاهات الحديثة، ط1، دار المعرفة، القاهرة، مصر،1981م. ص .167

[4] –  صالح عبد العزيز النصّار:”تعليم الاطفال القراءة: دور الاسرة والمدرسة”، جامعة الملك سعود، الرياض، السعودية،2003م. ص 28

اقرأ المزيد

Post a Comment

ادخل بريدك الالكتروني للإشتراك في هذا الموقع لتستقبل أحدث المواضيع من خلال البريد الالكتروني

تسجيل عضوية جديدة

Reset Password