fbpx
a

Lorem ipsum dolor sit amet, conse ctetur adip elit, pellentesque turpis.

مجال العربية للناطقين بغيرها ليس المدينة الفاضلة!

د. السيد أبو الوفا

أستاذ اللغة العربية المساعد بجامعة العلوم الإنسانية

بدءًا يروقُ لي أن أقرر مطمئنًّا معك أننا نكون من المخطئين المغالطين إن ظنَّ أحدُنا أن هناك إمكانًا لأحد من الأناسين لبلوغ الكمال في هذه الحياة أو ادّعائه، بله طلبه في هذا المجال أو غيره، فأنا وأنت مقصرون لا محالة تقصير البشر الذي لا فكاك منه، ولا مندوحة عنه، فكمال الناس من المحال، في علم أو عمل، وإن كان المأمول والمطلوب-مني ومنك- هو بذل الجهد والاستمرار في العمل والتواضع، والجد، والمثابرة ومحاولات الوصول لدرجات قريبة من الكمال.

ليس المقال مكتوبا لتوجهه وتُسقط فقراته على هذا الشخص أو ذاك، ولا لتذهب إلى أن المقصود من هذه الفقرة فلان أو فلان، ولا لأتهمك وتتهمني، وإنما فقط لنشخص معًا مرضًا قد أكون أنا أحد ضحاياه، أو أنت، ومن ثم نصف معًا علاجًا ينفعني، وقد ينفعك!!

وإني لأعلم علم اليقين أني أُخطئُ وتخطئ معي… إن ظننا أن مجالنا – تعليم العربية للناطقين بغير العربية -هو المدينة الفاضلة، كما تم التعارف إليها بوصفها الحُلم الأثير لأحد الفلاسفة المشهورين “أفلاطون”، تلك التي تمنَّى أن يحكمها الفلاسفة، بمعيارية ونبالة يجعلها الحياة التي يطمح إليها الخيِّرُون!!

نعم، أخطئ وتخطئ معي..  إن لم نؤمن أننا إذا أردنا أن نبحث عن المجال الفاضل المثالي الواعي والراقي فلن نجده إلا في أنفسنا، وسلوكاتنا، وعلمنا، واجتهاداتنا، وأخلاقنا، وتعاملاتنا، وفهمنا، وكتاباتنا، وتعليقاتنا، ولن يكون ذلك كله إلا من صُنعنا وسلوكنا، نحن، ولنحن قادرون على ذلك إن حمل كل منا رسالته بجد، وأخذ كتابه بقوة، وخلصت النوايا وشُمِّرت السواعد، وتطهرت الطوايا، ورغب الجميع في السعي الحثيث نحو الباقي الماكث ، مما ينفع الناس ويرضي الله، ويبقى في الأرض!

وأُخطئُ وتخطئُ-لا شك- معي.. إن لم نقتنع أننا نحن-شخوصًا وسلوكا وأفكارا واعتقادا- الأساس في هذا المجال، ونحن من نصنع المجال الفاضل، لا غيرنا، أنا قبلك وأنت قبلي، كلنا ذلك الرجل، سواء أكان عالمًا أو متعلمًا، مسؤولاً أو موظفاً، أو تلميذًا أو معلما، أو مدربًا أو مقومًّا، كبيراً أم صغيراً رجلاً أو امرأة، منتسبًا للمجال أو راغبًا فيه، أو مجبورٍ عليه… أيَّمّا كان!

وأيضًا أُخطئُ وتخطئُ معي… إن ظننا أن مجالنا بابًا ندخل منه لحقل جديد، ومختلف عن كل ميادين الحياة وحقولها العملية والعلمية، يختلف في كل شيء عن تلك الميادين، في المستوى العلمي والتعليمي والأكاديمي، والحضاري والثقافي، وهذا إن كان ممكن الحدوث في جانب معين أو جزءٍ من جانب، فإنه لا يمكن أن يكون عامًا في كل جنبات المجال، من شخوص، ونفوس، وبيئات، وإمكانات، وقدرات، وأحلام!!

وأُخطئُ وتخطئُ معي… إن ظن كلانا أن مجالنا هذا سيجد الراغب في الانتساب إليه، وكذا المنتسب بالفعل إليه، وزائره وقارئه ومحبه أرقى وأكمل أنواع الأخلاق والخِدمات، والتَّعلمات، والسلوكات، والخيرات، والأموال، والعلاقات يقدمها أصحاب المجال وشيوخه وأساتذته، وطلابه، ومنتفعيه، ومستهدفيه، بأسلوب حضاري بعيداً عن النفسنة والتعقيد، والشزر والمزر، إلا من فئة قليلة رحمها ربي ونجَّاها من هذه الأمراض والوباءات!!

ولا غرو أني أخطئ وتخطئ معي … إن لم نقنع – معًا- أننا إذا أردنا خيرا بأنفسنا أولا، ثم بالمجال وأهله وعصبه ووصبه، ومريديه أن نضبط سلوكنا وأخلاقنا، وقيمنا واتجاهاتنا، ونؤصل فيه أخلاقنا، قولًا وفعلا، لننشر المبادئ المثالية على المستويات كلها، المحلي والعالمي المنشود.

وهل تشك-رحمك الله- أني أُخطئُ وتخطئ معي… إن لم نكن على قناعة بأن هناك من أهل المجال وأعلامه من هو مشغول بحياته، وإنجازه، وأعماله وخدْماته التي تُفيد الآخرين من الشداة والراغبين، بعيدًا عن السفسطة والهراء والفارغ من الأقوال والأحكام، فبلغ الثريَّا علمًا، وإنتاجًا، وشهرة، وصيتًا، وغزارة، فطار اسمه في الآفاق فعرفه القاصي والداني وصار علمًا في رأسه نار… وقد يجرُّ ذلك عليه الكثير!!

ولا غرو أني أخطئ وتخطئ معي … إن لم نَرض من بعض أعلام المجال الكبار ممن يُحسنون إلى المجال في صمت، قولًا وفعلًا، وخدمةً، غير مهتمين بذيوع الاسم وبريقه، أو خفوته وانزوائه، فيدلُّون راضيين مُحتسبين الراغبين المجتهدين والمبتدئين الباحثين، دونما ضجيج صوت، أو إتباع مَنٍّ وأذىً، مُبتغيًا أجر الله ومثوبته، غير آبهٍ لمغنم، ولا مريدٍ من أحدٍ جزاءً ولا شكورًا.. واعتقادهم القارّ في نفوسهم، أن يكفي أن الله يعلمنا!!

ولتعلم أني أخطئ وتخطئُ معي … إن لم نكن نعرف أن في المجال مجتهدين مبدعين مبتكرين-شيوخًا وشبابًا- أثَّروا في المجال، علمًا وخلقًا، وتركوا فيه بصمات لا يُمحيها الحقد، ولا الحسد، ولا تزيلها الريح العاتيات، فهي أرسخ من أن تٌقتلع، وأعظم من أن تنكر، أو أكبر من أن تتجاهل.

وكن على يقين أني أخطئ وتخطئ معي …  إن تجاهلنا حقيقة أن هناك عددًا غير قليل ممن خُبزهم ومِلْحُهم العمل في هذا المجال، ينظرون إليه بوصفه رسالة سامية نبيلة، بها يخدمون العربية، لغة ودينًا وثقافة، مؤمنون بأن الله قد ساقها في طريقهم أو ساقهم في طريقها، فيلتمسون الجهد والعلم والنجاح، والنُّصح من الطالب، والمرجع، والكِتاب، والشيخ والأستاذ والزميل، والشابكة، والتجربة، والخبرة يُضيرهم كثيرًا أن يُغبنوا في أحد هذه المصادر تشويهًا وافتئاتًا، أو كذبًا وزورًا.

ويا رعاك الله لتعلم -علم اليقين- أني أخطئ وتخطئ معي …  إن لم ننظر بعين الاعتبار لأولئك الذين يريدون الالتحاق بالمجال، من طلاب العلم، ومتخرجيه الجدد، فيُتابع الواحد منهم أخبار أعلامه، وإنتاجهم، وسلوكهم، مرتئين فيهم المثال والقدوة، راغبين في تحقيق الإنجاز مثلهم واتباع أثرهم، وما هؤلاء بالقليل!

ووالله إني لأحسب أني أخطئ وتخطئ معي …  إن لم نرمق بأعيننا طويلًا بعين الإجلال والاحترام أولئك القابعين في وسط المجال وعلى ثغوره ممن يتابع كل هؤلاء، حريصين غيورين، على دينهم، ولغتهم، ومجالهم، فينصحون ويستنصحون، فيشجعون المجتهد، ويأخذون بيد المتعثر، ويُبصّرون المخطئ، ربما هؤلاء لا نعرفهم، لكن يكفي أن الله تعالى يعرفهم، وجزاؤهم عنده محفوظ، وثوابهم آخذ بعنانهم إلى أعالي السماء.

وأعلم أنا أني أخطئ وتخطئ معي …  إن تنكرنا معًا لجهود الأولين السابقين، والتابعين اللاحقين من الأجيال المتعاقبة والأساتذة الأحياء المعاصرين، ولم نعطها ما تستحق، أو نقدرها حق قدرها ظلمًا واستكبارًا، أو حقدا وغباءً وجهالة، فلولاها لما كان مثلي قادرًا على القراءة والكتابة والفهم، ولما كان قادرا على استدعائك ومناظرتك ومخاطبة عقلك، والإفادة منك، والمثاقفة معك!!

وآمل أن تكون على قناعة مثلي أني أخطئ وتخطئ معي … إن حاولت تجاهل تلك الجهود والتجارب قليلها وكثيرها، في مجالات التعليم، والتعلم، والتدريب والتثقيف، والتنظير والتطبيق، والمؤتمرات والمنتديات، والأبحاث والدراسات…. إلخ، ذلك أنها تُبذل وتستحق الاحترام والتقدير، وربما الإشادة والمدح، وتحتاج أحيانًا إلى النقد والتمييز والتصحيح بلطف ابتغاء الأجر والنفع، لا الانتقاص والتقليل، دون تهوين أو تهويل، أو ازدراء!

وفي الوقت ذاته أعتقد أنني أكون مقترفًا للكبيرة وأنت معي …. إن ظننا أن هذا المجال مختلف عن غيره من المجالات شأوًا أو مكانة، نبالة أو خِسّة، فهو شأن كل مجالات العلم وحقوله، آخذٌ من كل شيء بطرف، ففيه من التآليف والتصانيف من لا يشق له غبار، وفيه الضعيف الواهن، وفيه من يستحق التغيير والتبديل، والحذف والإضافة، وغير ذلك، وفيه من جهة البرامج ما هو قويّ، ومنها ما دون ذلك، ومن جهة  الأناسيّ من هم شيوخ ورجال وعلماء أثبات اشداء، جديرون بالاحتذاء والامتثال، بهم نصول وبعلمهم ورؤاهم نجول، وفيهم ضعاف النفوس والمستويات خسيسوها، دخلوا أو أُدخلوا المجال عنوة، وربما ترأسوا فيه مؤسسات وبرامج، وحظوا بوظائف عُليا، فكانت نظرتهم للمجال وتعاملهم معه بوصفه وظيفة، لا أكثر، فطعموا ونهموا وطمعوا، وشرهوا، فأساؤوا من حيث كان يجب الإحسان، وأضروا من حيث اُنتظرت المنفعة!

وأكون مقترفًا للكبيرة وأنت معي ….  إن نفينا أن هناك- شأن كل مجال- مؤلفين سارقين، وناقلين مدَّعين، ومترجمين زائفين، لا يرعوون، ولا يخافون في العلم لائمة، يجنحون إلى جهد=إنتاج أغيارهم فيهجمون عليها يقتاتونها سُحتًا حرامًا بلا وازع من ضمير، أو رغبة في إشارة، أو اعتراف بحق، أو ثبت لمصدر، أؤلئك كالحمير يحملون أوزارًا، عياذًا بالله لي ولك وللخييرين منهم ومن سلوكاتهم.

ومع ذلك أكون مقترفًا للكبيرة وأنت معي …. إن لم نعِ أن الاتهام والافتئات بغير دليل محض كبيرة من كبائر الآثام، حين تُعدم حجة، ويُعْوَزُ البرهان، ويسعى المُشوِّه المُتّهِم لا لشيء إلا لإثبات وجود، وكسب لذكر، واغتنام لموقف، وهؤلاء ممن لا يُرضيك أن تكون أحدهم بله أن تكون صديقهم.

وأكون مقترفًا للكبيرة وأنت معي …. إن لم نفطن بأن كثيرين متربصين بكل ناجح- وقد يكونوا من الأكفاء المعدودين- حاقدين على كل منتج، كارهين ذوي القبول والرأي، حاسدين كل ذي نعمة، تُشعل نار الغيرة صدرهم، وتملأ نفوسهم زفراتُ الفوات، ينظرون إلى إنتاج الآخرين بوصفه هواء، وإلى آرائهم بوصفها هراء، وأقوالهم زيف، ونجاحاتهم محض سراب.  يتهجم على الجميع ادِّعاءً للمصلحة العامة، والخوف على المجال، وتنبيهًا للمنتسبين إليه ممن لا يصلون إلى علمه، أو يخبرون كخبرته!!

وأكون مقترفًا للكبيرة وأنت معي …. إن لم نكن على قناعة أن المجال يعتريه القصور، أيًّا كان نوعه، سلوكًا أو قولًا، أكاديميًّا أو تربويًّا، فرديًّا أو جماعيًّا، وأن ليس في الإمكان أبدع مما كان، فهذا محض خيال، ودونه خرط القتاد!! وأن هناك أمراضًا متغلغلة في المجال، شأن كل المجالات، من الشللية، وغمط الحقوق، والحسد، والكراهية، والسرقات العلمية والأدبية، وشيئا من الشعوبية، والنقم على توزيع المداخيل والأرزاق، وحب الظهور، والنقد لأجل النقد، ومحاولات هدم الآخرين البارزين، وكلها وغيرها أمراض بعضها مزمن لا علاج له، وبعضها مما ينفع مع العلاج والتجريب وتأتي به المحاولات وتجدي معه الوصفات والتخويف من الذات العلية والتحذير من الشيطان، وكل ذلك سبيله إخلاص النوايا، وصدق الطوايا، والعمل الدؤوب، وفي المجال بعض أهله –رحمهم ربي- قادرون!

نعم، لا يمكن لي ولا لك أن تعمى أبصارنا، وترين قلوبنا، عن محاولات الهدم، التي يجتهد فيها أهلوها عن علم ويقين، أو قناعة جاهلة وساذجة، وطيبة خامدة، أو خبث ولؤم دائمين، أو حقد وكراهية موتورين، أو غير ذلك. كما لا يمكن أن تخفى عن أعيننا وعن ألبابنا- أنا وأنت- كذلك محاولات البناء والتشييد، واجتهادات العلم والتعليم، ومحاولات التثقيف والتنمية، والتآليف والابتكارات، والتعاريب والترجمات، من كثيرين مخلصين مبتغين الثواب والأجر، شغوفين إلى لنجاح والإنجاز والتأثير.

وإني لعلى قناعة، وأظنك معي، أن الخير باق، والحق سائد سائر، والعمل والإخلاص والخير هو ما ينفع الناس ويبقى في الأرض، وطرائق النُّصح والاستنصاح والتصحيح مشروعة، طرقها مكفولة، وآلياتها معروفة، بيَّنها الشارع الحكيم، وحضت عليها الآثار المروية، فقط نُخلص أنا وأنت ونبتغي صحيح النية، جعلني الله وإياك من باذلي الخير والنصح، وراغبيه ومنتفعيه إلى يوم الدين.

اقرأ المزيد

Post a Comment

ادخل بريدك الالكتروني للإشتراك في هذا الموقع لتستقبل أحدث المواضيع من خلال البريد الالكتروني

تسجيل عضوية جديدة

Reset Password