fbpx
a

Lorem ipsum dolor sit amet, conse ctetur adip elit, pellentesque turpis.

محو الأميّة الرّقميّة وأخواتها فريضة عصرنا الرقمي

د. السيد عزت أبو الوفا

أستاذ اللغة العربية المساعد بجامعة العلوم الإنسانية

(عرض برقي لمصطلحات الأمية الرقمية)

لعل من الثابت الذي لا يحتاج إلى تذكير أن أهم ما تميز به القرن المنصرم هو تطور العلوم والمعارف في جميع المجالات، وفي القلب منه التطور التقني والتكنولوجي التعليمي، الأمر الذي دفع بالمؤسسات التعليمية، على اختلاف توجهاتها، إلى محاولة الإفادة من هذا التطور المتسارع وتوظيف التقانة والتكنولوجيا بأقصى ما تستطيع وبخاصة المؤسسات الرامية للكسب المادي السريع، حيث قامت تلك المؤسسات «بافتتاح برامجها في التعليم عن بُعد بالإفادة من تلك التكنولوجيا أمام من لا تسعفهم ظروفهم الاجتماعية أو الاقتصادية أو الجغرافية لمواصلة التعليم» (السنيل،،25،1985)،  ولعل من المفارقات أنه على الرغم من ذلك ومع التقدم الرهيب للتكنولوجيا وبرامجها، وازدياد حظوظ الناس والمؤسسات من الإنترنت، ظلت هناك أنواع كثيرة من الأميّات، يعاني منها الكثيرون، ممن لم تسعفهم حظوظهم معالجة ذلك!

ولقد أصبح معلومًا بما لا يدع مجالًا لمماحكة أنني وأنتم -مطالبون وبأقصى سرعة وطاقة- بالسعي لامتلاك المعرفة اللازمة في تخصصنا العلمي والمعرفي والمهاراتي والتكنولوجي والرقمي بما يلائم المرحلة الجديدة في القرن الجديد، التي لا يقول عاقل بأن ما بعدها سيكون كما كان قبلها في هذا المجال، بل وفي غيره من المجالات، وعلينا كذلك امتلاك القدرة على تسليح طلابنا في التعليم التقليدي، بله «السَّحابي/ عن بُعد»، بما يستطيعون به مواجهة المجهول الذي قد ترميهم به الأقدار على غير توقع أو انتظار، كما لا بد أن نمتلك الشجاعة الكافية في اقتحام ذلك وعدم الإحجام عنه، وأن تبدو تعاملاتنا واستراتيجياتنا وأدواتنا المعرفية والتكنولوجية في مجالنا على اختلاف أنواعها في أعلى درجات الحداثة والجدية وأرفعها.

وفي سياق حديثنا عن التعليم «السحابي» في ظل وجود جائحة كوفيد -19 التي ألزمتنا في تعليمية اللغة بحتمية النظر بعين الاهتمام للتخلص مما يعرف بالأميات الرقمية الخطيرة، كالأمية الحاسوبية، والأمية الصوتية، أو المعلوماتية، والأمية البصرية، والأمية الاستنساخية، وأمية تنظيم القراءة والكتابة، والأمية الاجتماعية والعاطفية. فهي أميَّاتٌ خطيرة بالفعل، ذات أثر سلبي على معلمي العربية للناطقين بغيرها، ومتعلميها، بل وعلى مؤسسات التعليم بوجه عام، وبخاصة في ظروف جعلت محوها ضرورة ضاغطة. ورغبة في إفادة القارئ الكريم سنتناول هذه الأميات بالتعريف البرقي، آملين أن ينهض هو بدوره ليطَّلع على هذه الأميات في مظانّها الأساسية، ويتعرف إلى آليات محوها، والتخلص منها إن كان مبتلىً بإحداها أو أكثر!

ولنبدأ بتحديد مفهوم «الأمية الرقمية»، ذلك الذي نعتبره المصطلح الأشمل والأعم الذي تنضوي تحته باقي الأميات الرقمية الفرعية، والأمية الرقمية «يُنظر إليه بوصفها انعدام القدرة على قراءة النص الرقمي وكتابته، وعلى تطوير المهارات التقنية اللازمة لاستهلاك وإنتاج مثل هذا النص، غالبًا.

  لكن يجب التنويه إلى أنه عند استخدام مصطلح «النص الرقمي» يميل الناس أكثرهم إلى التفكير في معالجة الكلمات فقط، ولكن النصوص الرقمية تأتي في مجموعة متنوعة من الأشكال المتزايدة باستمرار بما في ذلك الصور وعروض الشرائح ومقاطع الفيديو والبودكاست (البث/التدوين الصوتي) والمدونات، والتغريدات وصفحات Facebook ونصوص الرسائل على سبيل المثال لا الحصر، فإذا كانت الأداة تنقل المعنى وتستخدم التكنولوجيا الرقمية إما لإنتاجها أو استهلاكها، فمن المحتمل أن يكون النص رقميًّا”(Joe, 2012).

ولعل الخطر في وجود الأمية الرقمية يتأتى من فقد الفرد الأميّ الرقمي» المهارات الأساسية التي تشمل القدرة على تحديد وفهم وتفسير وإنشاء وحساب واستخدام المواد المطبوعة والمكتوبة، واستخدام وإنتاج الوسائط الرقمية ومعالجة المعلومات واسترجاعها والمشاركة في الشبكات الاجتماعية لخلق وتبادل المعرفة، ومجموعة واسعة من مهارات الحوسبة المهنية».  (اليونسكو، (2004. ويصبح على الفرد السعي في امتلاك هذه المهارات المشار إليها حتى يصبح ذا كفاءة وإلمام رقمي، ومن ثم يُوصف بأنه « فرد رقمي».

ووفقا لتعريف الأمية الرقمية فإننا نستطيع النظر إلى أمية «الصور البصرية» الرقمية بوصفها «عدم القدرة على قراءة واستنباط المعلومات من المرئيات»، وأما أهمية ذلك وخطره على معلم العربية للناطقين بغيرها -وبخاصة خلال فترات اعتماده التعليم السحابي أو عن بُعد- فتتضح حين نتفق على أن قراءة الصورة وفهمها تعد واحدة من أهم وأقوى طرق تواصل المتعلم مع الآخرين؛ ويصبح على الفرد السعي في امتلاك القدرة على التعامل مع الصور المرئية الرقمية حتى يصبح ذا كفاءة وإلمام رقمي بصري.

أما المقصود بــ  «الأمية الحاسوبية» فهي انعدام أو ضعف المعرفة والقدرة على استخدام أجهزة الكمبيوتر والتكنولوجيا ذات الصلة، كالأجهزة اللوحية والهواتف الذكية، وغيرها، حيث يعاني العديد من المتعلمين، وبخاصة أولئك الذين لم يكبروا منغمسين في التكنولوجيا، من صعوبة في فهم الأنظمة اللازمة لمحو الأمية الحاسوبية، ويصبح على الفرد السعي في امتلاك هذه المهارات المشار إليها حتى يصبح ذا كفاءة وإلمام رقمي حاسوبي.

وأمّا «الأمية الاستنساخية» فهي كذلك أمية فرعية للأمية الرقمية، ويُراد بها عدم قدرة المتعلم على إعادة إنشاء المحتويات الرقمية الموجودة، وعدم قدرة المصاب بها على إعادة استخدامها للأغراض الرقمية المتنوعة بما في ذلك النص، والصوت، والصور والرسومات، ومقاطع الفيديو، بتنسيق جديد باستخدام قدرات الإنتاج الرقمي، حيث يستخدم الشخص النصوص الموجودة، أو الصور أو الصوت الحالي، ويخلق تفسيرًا جديدًا، مما يمكّن الأفراد من طرح أفكار أو أفكار جديدة للعمل القديم وزيادة إبداع الشخص أيضًا (ACRL, 2015) وبالتالي يصبح على من أراد أن يتخلص من هذه الأمية الاستنساخية أن يمتلك تلك المهارات المشار إليها جميعًا.

ويُقصد بــ «الأمية» المعلوماتية» عدم القدرة على البحث عن المعلومات الموجودة على الويب، وفي الكتب الموجودة على الأرفف في المكتبات وعدم القدرة على تحديد موقعها وتقييمها بشكل نقدي، وبذلك يصبح محوها يعني ببساطة مقدرتك على معرفة متى تكون في حاجة للمعلومات، بل والقدرة التامة على تحديد هذه المعلومات، وعلى تحديد كذلك موقعها وتقييمها واستخدامها بشكل فعال للقضية أو المشكلة المطروحة. (ACRL, 2015)

ومحو «الأمية المعلوماتية» يجب على الجميع تحقيقه، معلمين، وطلابًا، وعامة الناس والأفراد، ذلك أن هذه الأمية في الحقيقة تنطوي على جانب أخلاقي تربوي في المقام الأول، ويجب على المعلم  على الأخص ألا يقع فريسة لهذه الأمية، ومن ثم عليه دور تُجاه طلابه لتعليمهم وإرشادهم لكيفية توظيف واستخدام الشبكة الحاسوبية وبرامجها الأخلاقية والعلمية المفيدة، وتحصينهم من الوقوع في شراك ما هو ضد ذلك من مواقع وبرامج وألعاب قاتلة ومدمرة للوقت والمضيعة للخلق والدين؛ فإدمان الشبكة  أصبح واقعًا في العالم كله، وإهدار الوقت والتيه وسط المعلومات والأرقام أصبح حقيقة لا فكاك منها للكثيرين، وأصبح الكثير من الناس ضحايا انفجار التقنيات الرقمية (net، chat، game online)

بينما تعرف «الأمية السمعية» بالخلل أو الضعف وعدم القدرة على الاستماع وفهم المعلومات المشتركة من خلال الموجات الصوتية، حيث تتوفر الموارد السمعية على الإنترنت ويمكن تداخلها في المناهج الدراسية لتعزيز التعلم السحابي، وينبغي أن نعرف أنه يتم تحديد صحة وفائدة محو الأمية الصوتية من خلال قدرة الطلاب على استخدام المواد الصوتية بفعالية وكفاءة، وفي الحقيقة لا يزال محو الأمية السمعية حاسماً في العلوم التربوية، ويتشابك مع محو الأمية البصرية». & Lowther Smaldino, (2012) Rusell)

ويعتمد محو «الأمية السمعية» على تقوية وتوظيف مهارتي الاستماع والسمع فهما المكونان الأساسيان لمحو الأمية السمعية. وكما هو معروف فإن السمع عملية فسيولوجية وهو يعني قوَّةٌ في الأُذُن بها تدرك الأَصوات، في حين الاستماع هو الإصْغاءُ بِانْتِباهٍ، وبهما معًا تُمحى الأمية الصوتية، وفي عملية نقل المعلومات من شخص إلى آخر، يقوم المرسل بترميز الفكرة التي ينوي أن ينقلها إلى المتلقي لالتقاطها.، بعد ذلك سيقوم المتلقي بتفسير الرسالة اعتماداً على فهم الرسالة،  تلك الرسالة التي يتم تحديدها من خلال فترة الاهتمام، والتركيز عليها، وبناء على ذلك يتم تحديد صحة وفائدة محو الأمية الصوتية من خلال قدرة الطلاب على استخدام المواد الصوتية بفعالية وكفاءة، مع الوضع في الحسبان ألا تكون الأصوات منخفضة جدًا أو عالية جدًا لئلا تُؤثر سلبًا على صحة الطلاب، ولا يزال محو الأمية السمعية حاسماً في التربية ، ويتشابك مع محو الأمية البصرية & Lowther Smaldino, (2012) Rusell)

وها نحن قد وصلنا إلى ما يعرف بــ «الأمية العاطفية والاجتماعية” وهي أمية رقمية” تعني وقوع الفرد فريسة لتأثير الجوانب الاجتماعية والعاطفية للتواجد عبر الإنترنت، وذلك حين التعرض لمحتوى الشابكة على اختلافه، ففي عالم التكنولوجيا الرقمية الكثير من المعلومات الزائفة أو الكاذبة أو المضللة، التي إن لم ننتبه لها قد نقع فريسة سهلة لأصحابها. على أن مهارة محو الأمية الاجتماعية والعاطفية تساعدنا على إدراك ما هو جيد وما هو سيئ من المعلومات في العالم الرقمي؛ لذا يمكن للأشخاص الذين يمتلكون هذه المهارة أن ينموها حماية أنفسهم من الأخطار للتفاعل على الإنترنت، وهو عمل أخلاقي وتربوي أيضًا وجب على معلمي العربية تنبيه طلابهم إلى عدم الوقوع فيه بداهةً (GONG, 2009).

ولعل المدقق بعين ثاقبة يلحظ بوضوح مدى تعالق هذه الأميات  جميعًا مع «التعليم السحابي» المشهود، إذا ما ربطنا بين جزئياتها المتشابكة، وحاولنا الوقوف على مدى تأثيرها عليه سلبًا حال وجودها، وإيجابًا على كفاءته وجودته حال امِّحائها، أو حال انعدامها من الأساس، وعلى سبيل الإشارة البرقية، فإن مثل هذه الأميات كان من نتائجها السلبية التي تجلت في تسريع اتجاه التعليم المباشر إلى «التعليم السحابي» على نحو كامل ومفاجئ وإجباري -إبّان حدوث جائحة كوفيد -19 أنْ أظهرت تخلف العديد من معلمي اللغة، بل ومعلمي المواد الأخرى في الحقيقة، عن مواكبة ركب «التعليم السحابي» عبر الشابكة، وذلك حين تم اكتشاف تفشي الأمية الحاسوبية بدايةً لدى الكثيرين، وعدم قدرتهم على التلقي والإرسال من خلال وسائل التقانة وبرامج الصوتيات الحديثة، كما أوقعت الكثير من المؤسسات التي لم تكن تُعر مثل هذا النوع من التعليم اهتمًامًا يُذكر، ففرضت على الكثير من المعلمين والمؤسسات التعليمية، على اختلافها، حتمية النظر بعين الاعتبار إلى كفاءة منتسبيها الرقمية من القائمين على أمر التدريس ومدى بعدهم عن الأميات الرقمية المختلفة.

،،،

مراجع المقالة:

عبد العزيز عبد الله السنيل، التعليم عن بعد، مفهومه، أسسه، وواقعه في المجتمع العربي، المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، 1985، ع12، 1985.

خمس خُرافات عن استخدام التكنولوجيا في التعلّم: كيف ندمج الأدوات الرقمية في التعلم، مات ريونك، دار الكتاب التربوي، ط1. د. ت

مراجع أجنبية

Framework for Information Literacy for Higher Education, Filed by the ACRL Board of Directors February 2, 2015.

James D. Russell, Deborah &L Lowther. Instructional Technology and Media for Learning, 10th Edition Sharon E. Smaldino, Deborah L Lowther, 2012.

مواقع إليكترونية

Gong, Zhaogang (2009). Lateral Literacy: http://7digitalliteracy.blogspot.com/2009/11/lateral-literacy.html

Joe (2012). Digital Literacy & Common Core: https://cutt.ly/dyMyZ57

اقرأ المزيد

Comments
Post a Comment

ادخل بريدك الالكتروني للإشتراك في هذا الموقع لتستقبل أحدث المواضيع من خلال البريد الالكتروني

تسجيل عضوية جديدة

Reset Password