fbpx
a

Lorem ipsum dolor sit amet, conse ctetur adip elit, pellentesque turpis.

نَحْوَ حَسْمِ صِراع المَرْكَزِيَّةِ التَّائِهَة بين المُعَلِّم والمُتَعَلِّم

د. السيد أبو الوفا

أستاذ اللغة العربية المساعد بجامعة العلوم الإنسانية

نَحْوَ حَسْمِ صِراع المَرْكَزِيَّةِ التَّائِهَة بين المُعَلِّم والمُتَعَلِّم

(أنَا المُـــعَلِّمُ… (قَالَهَا وانصرف!)  

(1)

– الطالب: أنا كتبتُ: لقد آوى إلى أصدقائه فآوَوْهُ! فما الخطأ هنا؟

– الأستاذ: هي ” أَوى“، وليس (آوى)!!

– الطالب: لكنَّ كلمة (آوَىَ) صَحيحةٌ في اللغة، وقد رجعت للقاموس فوجدتهما بمعنًى!!

– الأستاذ: ولو… أنا المعلم!    (قالها، وانصرف!!)  

         (خرج الطالب: مدهوشًا، مصدومًا، مظلومًا …!!)

(حوار غير مُختلق)

لم أجد أفضل من هذا الحوار الذي حضرتُ جانبًا مهمًّا منه بين أستاذ أكاديمي كبير للناطقين بغير العربية، وطالب له في المستوى المتقدم؛ لأبدأ به مقالتي، وأجذبك، لا بقسوة إليها، وإنما بلطف –فقط- كي تركّز معي…،  وما أظُنُّكَ إلَّا فاعلًا!!

 ولن أذهب إلى إفاضة القول والشرح، وتفصيل خطأ المعلم الأكاديمي فيما ذهب إليه، فخطؤه بَيِّنٌ لا حاجة للتأشير عليه!! بيد أني سأبئّر عامدًا على بعض القضايا المهمة التي بدت لي في هذا الحوار، وتتعالق بقوة مع عِنْيان هذه المقالة القاسي، على بساطة دواله، وشهرتها إلى حدِّ الابتذال!!

 لعل أولها: تلك العِلِّية الواضحة في أسلوبه، بما لا يليق بمعلمٍ، فضلًا عن معلم للناطقين بغير العربية، تُجاه المتعلم الذي كان الحق في جانبه، وليس الضد!! 

 وثانيها: إهدار المعلم فرصة ثمينة لبناء جسر من الثقة بينه وبين تلميذه، وتطبيق ما يُعرف بالتعلُّم عن طريق الخطأ، وممارسة ما يُعرف من التعلم النشط، وتفعيل واحدة من استراتيجياته الإبداعية الخلاقة، فكان الأجدر أن يُناقش تلميذهن ويسمعه، ويُشركه، ويصل معه للصواب، حتى وإن لم يكن في صفه، وللأسف، بسلوكه الشانئ هذا قد جافى الإنصاف، وأهدر حق العلم، وأضاع حق المتعلم!! 

  وأمّا ثالثها: فهذا التكبر، غير المفهوم، حيث تجلّى في وضع الرجل نفسه فوق القاموس، وتالله، لقد أكد له الطالب أنه رجع إلى لسان العرب!! ووالله إني لأعلم صدق وصحة ما ذهب إليه الطالب، كذلك!!

أَنطلقُ من هنا لتأكيد حرص مثل هذا المعلم على وضع وتأطير نفسه في مركزية عملية التعلم بشراسة، واستئثاره متفرِّدًا بالبؤرة في الموقف التعليمي التعلُّمي، بطريقة تنفي، الآخر/الطالب، وتجعله تابعًا بلا تفكير لما يقوله المعلم، ما دام هو القائل بصحته، حتى وإن كان على غير الصواب على نحو ما رأينا! إنه نوع من التعليم القديم، والنظرة الأحادية للعلم، والتعلم، عفا عليه الزمن، أو كاد، لم تعد صالحةً للمزاولة، فضلًا عن طريقتها وأسلوبها الذي لم يعد يتماشى مع هذا العصر، ولا مع طلبة هذه الأيام!!

وفي الواقع، أنا لن أقسوَ على الرجل، وطريقته، بأكثر من ذلك، لكني أسائلك أنت – عزيزي المعلم القارئ- هل ترى نفسك بعيدًا تمامًا عن ممارسة هذه المركزية، ومناوئًا بالفعل لهذا النهج؟!! وأرجو ألا تنطلق من منطق الرجل التربوي والعلمي الخاطئ فتحكم عليه بالخطأ، مُتعجّلًا، ولنفسك بالصوابية!!  إنني أستفسر منك: أين أنت وأين طالبك من مركزية التعلم والتفكير؟  وهل ما زلت أنت مصدرهما الأثير، والوحيد، في المعلومة، والشرح، والتلقين، وكن فيكون؟!

آمل ألا تتعجل الإجابة، ودعني أعرض عليك سلوك نموذجين، أحدهما للمعلم المَرْكَز، المُلقِّن، صاحب العلم ومصدره، الذي يلغي دور المتعلم إلا من أداء الواجب، والاستماع والإنصات، ويسلبُ منه حق ممارسة الرأي، والرغبة في الجري وراء الطلاقة ومحاولات تحقيق الدقة، وما يؤدي بالفعل إلى اكتساب اللغة، إلا من طريقه، وعن طريقه، ربما عن جهالة بجديد النظريات التربوية والسلوكية والتعليمية، مع المصادرة للحقوق وإن بحب، لكنه حب قاتل للإبداع والإمتاع والتعلم والاكتساب!!

ومثل هذا النموذج ما زال يرزح تحت نير اتجاهات واعتقادات التعليم القديم، الذي لم يصله- أو لم يرد أن يصله- بعدُ تحوُّل دور المعلم في العملية التعليمية من المركز الذي يقوم بكل شيء، من شرح وتحليل وسؤال وإجابة وتقويم، ومصادرة للرأي، وغمط حق النقاش والاستفهام والجدل والإبداع والتحليل وممارسة النقد، كما فعل صاحبنا الأول!!

أما النموذج الثاني فهو ذلك القائم تفكيرُه على التعلم النشط، المتمركز حول المتعلم، وما له من أدوار، وواجبات، وحق في التحفيز، بل والإشراك في عمليات التخطيط والتنفيذ والمراقبة والتقويم للدرس قيد التناول، إلى تفعيل التفكير النقدي والإبداعي والخيالي الخلاق. ولاحظ معي جيدًا هذين المثالين:

(2)

  • مثال تطبيقيِ للتفكير/للتعليم المتمركز حول المعلم
  • المشرف التربوي: اشرح لي من فضلك رؤيتك لتقديم الحصة القادمة.
  • المعلم: بكل سرور!

(حوار حقيقي)

أولا: سأقدم للدرس بتهيئةٍ جيدة، أجذب فيها انتباه الطلاب، وأحفزهم لتلقي الدرس الجديد، ثم اسألهم بعض الأسئلة الإحمائية من قبيل:

  1. هل سمعتم قبلا عن …………؟
  2. ما رأيكم في قضية ………..؟
  3. من منكم يستطيع إعطاء مثال من واقع الحياة عن ……….؟

ثانيًا: سأقرأ الدرس قراءة شعرية جيدة، وبعدها أطلب من بعض النابهين في الصف القراءة بعدي، ثم أبدأ في تناول الشرح والتحليل، بادئًا بالمفردات/اللغويات المتعلقة بالدرس وأعرضها على المشاركين جميعًا من خلال عرض النص، على السبورة الذكية/اللوح/ جهاز العرض/ الكتاب…إلخ، ثم أقاربُ الشرح العام للأبيات، ثم أتناول بعض الصور البلاغية والجمالية، ثم أناقش الطلاب فيما فهموا ببعض أسئلة الفهم والاستيعاب، ثم أتناول بعضًا من أسئلة التدريبات بطريقة تفاعلية ……إلخ.

(رأي المُشرف التربوي)

للأسف، أُلاحظ بوضوح كيف أن التركيز في كلام وتصور المعلم قد انصب على ما يقوم به هو وحده في الدرس، وليس على كيفية تعلم الطلاب وتحصيلهم المفردات والمعاني والمضامين؛ إذ تطرق حديث المعلم تفصيليًّا على خطواتٍ قام بها هو بشكل رئيس، أي أنه كان المحرك الفاعل للدرس في كل جزئياته بدءًا من التمهيد مرورًا بالإحماء، والعرض، والتعزيز، والتقويم..

إنه نوع من التعلُّم القديم القائم على التمركز حول المعلم بوصفه المحور الأساس في العملية التعليمية، أما المتعلم فكما هو واضح نجده متلقيًا سلبيًّا في المقام الأول-رغمًا عنه؛ فلم يُسمح له بمبادأة، ولا تفاعل، ولا جماعية إلّا بالقدر الذي يسمح به المعلم، وما يتفضّل به من باقي وقت الدرس لمشاركة المجموع والتفاعل فيما بينهم من أجل إنتاج اللغة!   إنَّ نموذجًا كهذا يُظهر كيف أن المعلم قد التهم كل الوقت، وبذل كل الجهد، واستنفد كل طاقة فيه هُو؛ لذلك لا يمكن أن ننتظر إنتاجًا عاليًا من الطلاب، حتى لو استوعبوا من المدخلات الكثير؛ إذ لم تُتح لهم فرصة الإنتاج والمناقشة والتجريب والخطأ والتصويب، ببساطة، لم يُسمح لهم بالتفاعل وممارسة اللغة!!

(3)

  • مثال تطبيقيِ للتفكير/للتعليم المتمركز حول المعلم
  • المشرف التربوي: اشرح لي من فضلك رؤيتك لتقديم الحصة القادمة.
  • المعلم: بكل سرور!

(حوار حقيقي)

أولا: سأعرض النموذج القرائي على اللوح/ السبورة الذكية/السبور/ في الكتاب ثم أقوم بتقسيم الطُلّابِ لِثلاثِ مجموعاتٍ، ليبدأوا في قراءة النص.        

ثانيًا: من خلال مروري على المجموعات ومتابعتها ربما أجد أنهم صادفوا بعض المفردات الصعبة /الغامضة خلال قراءتهم الأولى للنموذج القرائي، أيْ، إنهم لا يعرفون معنى هذه المفردات أو التراكيب بعضها، سأدعهم يتناقشون حولها، متفاعلين، واُفسح لهم مجال المناقشة والتفاعل، ومن خلال قراءتي الصحيحة لبعض الكلمات، وتقديم الدعم الفوري لمن احتاج، والاستماع لآراء بعضهم البعض ومناقشتهم وتخمينهم لمعاني الكلمات والمفردات التوصُّل لمعاني بعضها أستطيع مساعدتهم وتوجيههم، ثم سأطلب أن تسجل مجموعة الكلمات والتراكيب الصعبة التي لم يصلوا لمرادفاتها أو معانيها في قائمة، وبعد الانتهاء من القراءة ، يمكنني أن أطلب منهم  تسجيل الكلمات التي لم يعرفوها بعد أن تناقشوا حولها على السبورة داخل المجموعات، ثم سأقوم بتوجيه الطلاب في كُلّ مجمُوعةٍ لتوصيلِ المعنى الذي توصَّلوا إليه ِلطُلّاب المجموعات الأخرى، إمّا: (بِالتّخمينِ من السِّياقِ – بِاستِخدامِ الجِذرِ والاشتِقاقِ_ بِأيِّ وسيلة أُخرى). وأخيرًا، إن بقيت بعض المفردات والتراكيب الصعبة سأقوم بتوضيح معانيها بطرائق تفاعلية متنوعة مع الطلاب. ثم أقوم بإعطاء تمرينًا مُناسبًا للمجموعات للتأكد من استيعابهم للمفردات بطريقة دقيقة!

  • (رأي المُشرف التربوي)

أحمد الله إلى هذا المعلم المجتهد النشيط، لقد لمست بوضوح امتلاكه فلسفة تدريسية ورؤية تعليمية تعلُّمية جد مميزة، بحيث اكتفي هو بدور المُنشط أو الميسر أو الموجّه، أو المساعد، فارتأى بوضوح وقناعة أن الطلاب هم بالفعل مسئولون معه عن عملية التعلم الخاصة بهم في كل مراحلها.  فطلابه-بحسب رؤيته وتنفيذه- هم أيضًا معنيون بالفعل، بالمبادأة، بالنقاش، والاستماع لبعضهم البعض، والتوصل من ثمَّ لحل ما يجابههم من مشكلات تواجههم كبعض المفردات الصعيبة والمعاني الغريبة.

 كما أستطيع القول: إنه قد أمكن للمعلم أن يقف على مستوى طلابه في استعمال اللغة الهدف حين كان يتابع مناقشاتهم ويستمع لطروحاتهم مع بعضهم البعض، وكيف أمكنهم أن يستخدموا معرفتهم وخبراتهم السابقة، وكيف يمكن لهم أن يتذكروها في محاولة التوصل لحل ما يصعُب عليهم ، كذلك وقف المعلم على ما لم يعرفوه من المعلومات، ودفعهم بحذق إلى الرغبة في التوصل الجماعي لمعرفتها، وفكر فيما يمكن تقديمه من دعم لهم فكان جاهزًا به ، ليقدمه في الوقت المناسب ( الدعامات، مثل: القراءة الصحيحة، تفسير شيء، تنشيط عقلي باستحضار كلمات أو أمثلة أخرى، تشجيع وتحفيز، تجهيز صور، أو نماذج للعرض،….إلخ).

كما أنه وفّر لهم فرصة ممارسة الطلاقة في بداية الدرس فتركهم يتحدثون مع بعضهم باللغة الهدف، فيتعلمون من بعضهم استماعًا ومناقشة وقراءة وتفسيرًا وتوضيحًا وإعادة للكلمات والتراكيب والجمل، وبذلك عمل المعلم على توفير فرص التعلم طوال الدرس، وقام بدور المُيسر فقط؛ حيث تمركز الفعل والأداء والتدريس كله حول المتعلم، لا المعلم.  إنه ببساطة لنموذج المعلم الذي يتخلى عن طواعية، وفهم، عن المركز لطالبه، لا عن عجزٍ ولا تقصير، وغنما ببساطه لأنه بالفعل هو الأحق به!

والآن –عزيزي القارئ- أظُنُّك عرفت معي، كيف حُسم الصراع حول مركزية التعلُّم في العملية التعليمية التعلُّمية، ولصالح من!!

Post a Comment

ادخل بريدك الالكتروني للإشتراك في هذا الموقع لتستقبل أحدث المواضيع من خلال البريد الالكتروني

تسجيل عضوية جديدة

Reset Password