fbpx
a

Lorem ipsum dolor sit amet, conse ctetur adip elit, pellentesque turpis.

زووم طردنا مـجدّدا!

نسرين زعنون

معلمة اللغة العربية للناطقين بغيرها

في أواخر شهر فبراير

تقريبا من هذه السنة عندما قابلت في قسم علوم اللسان (جامعة الجزائر2) طالبين من جامعة أليكانتي تذكرت أول عهدي بتجربة التعليم لطلبة من إسبانيا: يدرس الطلبة تخصص العربية وحدات كالفكر وواقع المسلمين في الغرب بالإسبانية، بل وحتى مصطلحات قواعد العربية بمستوياتها الصوتية والصرفية والنحوية، فتكون النتيجة طلبة يعرفون عن العربية ولا يمكنهم التواصل بالعربية. وما هو إلا أن  توقفت الدراسة في الجامعات الجزائرية بسبب الحجر المنزلي، فسافرت الشابة إلى إسبانيا لزيارة أهلها، وزار الشاب أقاربه في صحراء الجزائر  في انتظار عودة الأمور إلى نصابها بنهاية العطلة الربيعية التي تزامنت مع بدء الحجر تقريبا.

لكن الوباء صار جائحة والطالبان بقيا عالقين

لكننا على أية حال ملزمون بشعار (ابق في البيت) حيثما كنا. كان يفترض بالطالبين الالتحاق بدروس العربية للصينيين للتواصل معهم غير أن ظروف الإنترنت منعت الشاب من الالتحاق بمنصة دينغ فضاعت فرصة الاجتماع بـ 23 طالبا صينيا.

حلّل الطالبان نصوصا متنوعة، ودرّستُهما بعض المعلومات في الصوتيات والعلوم الإسلامية مع اختبارٍ لجودة القراءة فقررت إثر ذاك تخصيص حصة لـِ»الاستماع والعروض الشفوية» ومنحت الشابين فرصة إدارة أغلب أوقاتها، واقتصر تدخلي على اختيار موضوعات العروض الفردية أو مشاركتهما في بعض الحوارات الثنائية باعتباري متحدثا ثالثا لا أستاذة موجهة، وأما إسعافي لهما بتصحيح الخاطئ من الكلام أو تقديم الكلمة (المفقودة) فكان بطريقة عفوية كما يقوم صديقك مثلا بإسعافك ببعض الكلمات والعبارات التي (تاهت) منك.

في أثناء ساعتين من كل أسبوع كنت أختار لهما موضوعات لتقديم عرض فردي أو حوار أو تمثيلية، وركزت على ما هو من حياتهما اليومية. وكانت موضوعات العروض الفردية والجماعية مترابطة أحيانا، وقد تتشارك مع موضوعات الفيديوهات التي يشاهدانها ويقدمان ملخصا عنها لكن التركيز الأكبر كان حول تعزيز مهارة الكلام عندهما. إذ عرض كلٌّ من الطالبين مثلا أجواء الحجر المنزلي لينتقلا إلى دور الطبيب الذي يشك أن مريضته مصابة بكورونا. ثم عرضا نظرة عن قرب للمجتمع الإسباني، وكان ذلك أيضا محور التمثيلية “العنصرية في إسبانيا” خلال حصة تلفزيونية يسأل فيها المذيع ضيفته الخبيرة في الإسلاموفوبيا”. وقدما “مكالمة هاتفية” حقيقية عن حياتهما ودراستهما كل بحسب مكان إقامته.

ومن تلك العروض التي سرحت بمخيلة الطالبين “ماذا لو اختفى الإنترنت بشكل نهائي من حياتنا؟ وقطعت عنا الكهرباء باستثناء مرتين في الأسبوع؟”. وتحدث كلّ منهما عن أحلامه ومخاوفه  بشأن العمل بعد التخرج، ثم مثّل الشاب  دور مدير لجنة يعقد مقابلة مع مترشحة للعمل. كما عرضا هواياتهما والأعمال التي ينجزانها خلال أوقات الفراغ. وختما الحصص بدور الأستاذ والطالبة. ومثل الشاب أدوار موظفين إسبان في الجامعة والشابة مترجمتي المرافقة خلال التحاقي بالعمل في جامعة أليكانتي. وتابعا خلال نشاط الاستماع بعض الفيديوهات واستخرجا بعض الكلمات الجديدة منها ثم حولت النشاط إلى تقديم ملخص عنها لـمّا لاحظت تباين مستويي الاستماع بين الطالبين.

وفي الامتحان ناقشا في تمثيلية مشاكل المطعم الذي يملكانه، ثم ناقشنا مظاهر العنصرية في الغرب بمناسبة الاحتجاجات الأمريكية ثم مظاهر العنصرية عند العرب. وقدما عروضا فردية متنوعة حول التطوع ودور المسلمين وما ينقص العرب. وشاهدا تسجيلين يصفان حال بعض المسلمين والناس عموما ظروفهم قاسية فأتقن الطالبان فهم المحتوى اللغوي والرسالة التي يتضمنها التسجيلان.

خلال 24 ساعة كلية، ونظرا لاختلاف المستويين، لزم اختيار موضوعات لا تشعر الشاب بالملل ولا تحبط الشابة، وكان يجب أن أراقب تطورها فكنت أختارها للبدء غالبا بالعرض الفردي حتى أتأكد أن ما تقوله لا يتأثر بعرض زميلها، وفي العروض الثنائية كنت أختار للشاب الدور الذي يتطلب الكلام الأكثر أو الأدوار المتعددة دون تقزيم لدور زميلته.

وكثيرا ما مازحتهما بالقول “يبدو أن زووم قد طردنا مجدّدا !»، ليس بسبب الخدمة المجانية لزووم التي تتطلب الخروج كل أربعين دقيقة، ولكن لأن سوء الإنترنت في الجزائر ولاسيما عند الطالب كان سببا لذلك.

تلك الأسابيع القليلة من الدراسة بكل مشاكلها لم تكن عادية:  فلقد كانت

أولا

فرصة لتعزيز مهارة الكلام بحيث زادت ثقة الشاب عند إلقائه الكلام بالعربية برغم أنه في الأساس ذو مستوى جيد ومن السهل عليه تحقيق حلم العمل في شركة للاستيراد والتصدير، وأمّا الشابة فلم تزد ثقتها أثناء الحديث بالعربية وحسب وإنما قفزت قدراتها الكلامية إلى درجة عالية، ولم يكن دوري سوى استخراج اللآلئ المخفية بإعطائهما فرصة الحديث المكثف.

وثانيا

كانت فرصة للقاء تشوبه عادة حساسية سياسية عالية: أستاذة من الجزائر وطالبة من المغرب وطالب يكتفي بتسمية وطنه (الصحراء) فلا يصفها (الغربية) كما تتبنى الجزائر ولا (المغربية) كما تراها المغرب، فجمع زووم ما لم تجمعه الحكومات.

وثالثا

أن شابة تحلم أن تكون في خدمة المجتمع من خلال العمل في مراكز إيواء الأطفال اللاجئين وذوي الظروف المختلفة غالبهم لا يتقنون الإسبانية لنا أن نتخيل دور حصص مكثفة في الحديث بالعربية في إنقاذ طفل أو شاب من الضياع والانحراف لأنه وجد من يتكلم معه بـ»العربية»، حينها يمكننا القول أن زووم وإن أكثر طردنا فقد كان منصة لأعظم تعزيز؛ تعزيز لأجل رسالة عظيمة.

اقرأ المزيد

Post a Comment

ادخل بريدك الالكتروني للإشتراك في هذا الموقع لتستقبل أحدث المواضيع من خلال البريد الالكتروني

تسجيل عضوية جديدة

Reset Password